تقاريرصحافة إستقصائيةوثاق

المجموعة السودانية للديمقراطية أولا: التهريب والإتجار في البشر: السياق والمشاركة الحكومية في الجريمة

أصدرت المجموعة السودانية للديمقراطية أوّلاً تقريراً حول ظاهرة التهريب والإتجار فى البشر، وتعرضّ التقرير لدور وعلاقة الحكومة السودانية بالظاهرة، التى أصبحت من أخطر الظواهر التى تعتبر من أبرز إنتهاكات حقوق الإنسان عاملياً، وتجد مكافحتها جهوداً، من حكومات وتعمل منظمات حقوق إنسان ومجتمع مدنى فى رصد الظاهرة وإقامة خطط وبرامج للمناصرة، للتوعية بهذه الجريمة والحد من آثارها فى المجتمعات..وأكّد التقرير الصادر عن المجموعة السودانية للديمقراطية أوّلاً تورُّط الحمومة السودانية وأجهزتها فى الجريمة .

أدناه نص التقرير :

المجموعة السودانية للديمقراطية أولا: التهريب والإتجار في البشر: السياق والمشاركة الحكومية في الجريمة

مقدمة:

يمثل السودان مسرحاً لعمليات الإتجار في البشر عبر حدوده البرية الممتده و المتاخمة لدولتي إثيوبيا وإرتريا . و ساعد على تفشي الجريمة إنتشار عصابات التهريب وكثافة أعداد اللاجئين والفاريين من تلك الدول إلى حدود السودان الشرقية . أما إزدهار جريمة الإتجار في البشر في السودان وتناميها وبروزها المقلق، على المستوى القومي والإقليمي والدولي، يعود إلى دخول عامل الفساد الحكومي وذلك بمشاركة عناصر من القوات النظامية  وعملهم في تسهيل وتنظيم وحماية عمليات التهريب مع المجموعات المنظمة من عصابات الإتجار في البشر.

وبالرغم من عدم وجود إحصائية رسمية حول أعداد ضحايا الإتجار في البشر عبر شرق السودان، وعدم توفر معلومات كافية حول العصابات التي تقوم بتلك العمليات، إلا ان منظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية والمراقبين في المنطقة قد لاحظوا إزدياداً متطرداً فى عمليات التهريب والإتجار في البشر في الآونة الأخيرة . وتتعدد مسببات التزايد الكبير في هذه الجريمة بداية من العوامل الطارده فى الدول التي يأتي منها ضحايا التهريب، ومروراً بالعوامل التي يجدها الضحايا جاذبة  فى دولة السودان .

ومن أهم العوامل الجاذبة لتكبد مخاطرة التهريب هو الرغبة العالية للضحايا من المواطنين الإثيوبيين والارتريين في الهجرة إلى أوروبا وإلى الغرب عموماً، حيث يمثل السودان مسرحا الإنتقال والمرور الرئيسي لهؤلاء الضحايا للوصول إلى السواحل الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط عبوراً إلى أوربا، عبر عمليات طويلة ومعقدة تتعدد وتختلف الفئات والعناصر المشاركة فيها. ومن العوامل التي جعلت من السودان وحدوده الشرقية المسرح الأهم إقليمياً ودولياً لممارسة جريمتيّ التهريب والإتجار في البشر سهولة الوصول من السودان إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، خاصة السواحل الليبية التي تعاني من عدم الإستقرار الأمني والسياسي، ومن ثم إنفتاح تلك السواحل أمام النشاط المكثف لعمليات التهريب والإتجار. ومن العوامل الهامة كذلك والتي جعلت من السودان مركز ومسرح واسع لعمليات التهريب، مروراً وإستقراراً نسبياً بإعتباره مكان جاذب، يتمثل في توفر فرص العمل، حتى وإن كان بإجور زهيدة وتحت ظروف قاسية، بالإضافة الى التقارب الإجتماعى و الثقافي بين شعوب دولة المرور السودان مع خلفيات الضحايا من دولتيّ إثيوبيا و إرتريا.  أما العوامل الطاردة والداعية للضحايا من مواطنيً إثيوبيا وإرتيريا من المرور بكافة مخاطر عبور السودان والصحارى والبحار نحو أوربا فهي تتعدد وتتنوع كذلك، بداية من تردى الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفقر والبطالة وعدم الإستقرار الأمني والصراعات المسلحة والقمع السياسي، وغيرها من عوامل طرد لم تترك أمام هؤلاء البشر من خيار سوى هجر بلدانهم وسلوك طريق المغامرة والمخاطرة، بما فيها الوقوع ضحايا لجرائم التهريب والإتجار في آدميتهم.

القانون والواقع المحيط بجريمتيّ التهريب والإتجار في البشر :

على الرغم من إستخدام السودان كدولة مرور للآلاف من مواطنيّ دولتيّ إثيوبيا وإرتيريا عبوراً نحو أوربا والغرب تعود الى سنوات طويلة، إلا أن تزايد عمليات التهريب وترسيمها دولياً بقوة كجريمة للإتجار في البشر، وإرتباط تلك العمليات وتأثيرها على تصاعد قضية الهجرة واللجوء على المستوى العالمي مؤخراً، دفعت هذه التطورات الحكومة السودانية لتبدو متسقة وداعمة للجهود الدولية الرامية في مكافحة جريمتيّ التهريب والإتجار. إلا ان تلك الجهود الحكومية تشوبها الشكوك التي تتطلب التقصي العميق عن الدوافع والأهداف الحكومية تلك، خاصة وأن حوادث التهريب والإتجار في البشر الحديثة أكدت مشاركة عناصر حكومية ممثلة في عدد من القوات النظامية في عمليات التهريب والإتجار تلك. ومع ذلك فقد أصدرت الحكومة السودانية بالفعل قانوناً لمكافحة الاتجار بالبشر في 2013، تمت إجازته من قبل البرلمان السوداني في مارس 2014، وذلك إتساقاً مع مواقفها الجديدة تلك.

لقد عرف القانون إرتكاب جريمة الاتجار بالبشر كما يلي :” يعد مرتكباً جريمة الاتجار بالبشر كل من يقوم بإستدراج أشخاص طبيعيين أو نقلهم أو إختطافهم أو ترحيلهم أو إيوائهم أو إحتجازهم أو تجهيزهم وذلك بغرض إستغلالهم أو إستخدامهم  لتحقيق أهداف غير مشروعة مقابل أي من الآتي او سعياً للحصول على: (1) عائد مادي أو وعد بالحصول عليه، (2) كسب معنوي أو وعد بالحصول عليه، (3) منح أي نوع من المزايا.

وقد أفرد قانون مكافحة الاتجار بالبشر عقوبات مشددة عند الإدانة بارتكاب هذه الجريمة. حيث يعاقب مرتكبها بالسجن لمدة لا تقل عن خمسة سنوات ولا تزيد عن عشرين سنة في الحالات التي تتم فيها هذه الجريمة عن طريق مجموعات منظمة، أو أن المجني عليه كان أنثى أو طفل أو معاق، أو أن الجاني موظفاً عامإً استغل وظيفته في تنفيذ الجريمة، كما ان عقوبة إرتكاب جريمة الإتجار في البشر قد تصل إلى الإعدام إذا أدت الجريمة الى وفاة المجني عليه.
من التعريف أعلاه يتضح أن عمليات تهريب البشر عبر  الحدود الشرقية إلى داخل المدن السودانية ينطبق عليها تعريف جريمة الإتجار بالبشر، حيث أن التهريب ينطوي على الكثير من عناصر هذه الجريمة كالنقل والترحيل والإيواء ، إضافة الى الأهداف غير المشروعة التي من أجلها تم النقل والإيواء والترحيل. و بهذا يكون المتاجرون بالبشر فى مخالفة واضحة لقانون مكافحة الإتجار في البشر، فضلاً عن إنتهاكهم لقوانين الهجرة السودانية التي تحكم دخول الأجانب إلى البلاد، ومخالفتهم للقوانين واللوائح التي تنظم عمليات اللجوء وتحركات اللاجئين داخل البلاد .

إن الرغبة المتزايدة  فى هجرة المواطنين الإثيوبيين والإرتريين إلى السودان عبر حدوده الشرقية دفعت بالكثير من الجماعات المنظمة والأفراد وعناصر القوات النظامية و الأمنية للإنخراط ضمن ومزاولة عمليات التهريب والإتجار بالبشر، وذلك بالمشاركة المباشرة نظير مقابل مالي سواء بالتسهيل أوالتنظيم أو توفير الحماية لعمليات تهريب المهاجرين من المناطق الحدودية أو من داخل معسكرات اللجوء بشرق السودان الى العاصمة الخرطوم والى عدد من مدن وسط وشمال السودان.

تتم عمليات تهريب البشر وفقاً لإفادات عدد من شهود عيان، والواردة في التقرير الصادر من مركز السودان للخدمات الإعلامية (SMC)، القريب من السلطات الحاكمة، بتاريخ 18/5/2013، تتم تلك العمليات عن طريق الإتفاق مع سماسرة ينسقون عملية التهريب داخل دولة إثيوبيا، حيث يقومون بتجميع العدد المتفق عليه من الراغبين في الهجرة إلى السودان، ثم نقلهم ليلاً إلى المناطق التى تفصل بين البلدين على الحدود السودانية، ليستقبلهم هنالك بتنسيق عال سماسرة سودانيين ليقوموا بدورهم بترحيل أولئك الضحايا عبر طرق وعرة وطويلة وبعيدة بمشاركة عدد من الخبراء المحليين ممن يعرفون بصورة جيدة تلك المسارات ويتمتعون بعلاقات قوية في تلك المناطق. كما أشار ذات التقرير نقلاً عن شهود العيان إلى أن الأشخاص  الذين لا يستطيعون دفع قيمة التهريب كاملة لمجموعتيّ التهريب من  خارج وداخل السوداني، فإنه عادة ما يتم تركهم داخل الحدود السودانية. أما الذين يقومون بسداد كامل المبلغ لمجموعة المهربين من إثيوبيا وإرتيريا والمجموعة الأخرى داخل السودان، فإنه يتم ترحيلهم ليلاً إلى ولاية الخرطوم عبر مناطق البطانة، حيث يتم تسليمهم إلى مجموعات اخرى بمشارف محلية شرق النيل، لتتسلمهم مجموعة ثالثة داخل العاصمة الخرطوم توفر لهؤلاء الضحايا المسكن والحماية.

وحسب تصريحات وزير الداخلية السوداني الفريق عصمت عبد الرحمن في مؤتمر مكافحة الإتجار في البشر بالقرن الإفريقين والذي عقد بالخرطوم في سبتمبر من عام 2014م ، أكد الوزير أن 70% من اللاجئين الإثيوبيين والإرتريين يتواجدون بالمدن السودانية  مما قد يعرضهم للإستغلال، وطالب الوزير بتحسين ظروف معسكرات اللجوء بشرق السودان حتى لا يضطر اللاجئون إلى مغادرتها نحو المدن السودانية الأخرى.

دور عناصر القوات النظامية في جريمة التهريب والإتجار في البشر:

من الواضح بان عمليات التهريب والإتجار في البشر، سواء تلك التي تنطلق من الحدود السودانية الشرقية أو من داخل معسكرات اللاجئين، أو مروراً من هاتين المنطقتين الى العاصمة الخرطوم أو الى مدن وسط وشمال السودان، من الواضح أن هذه العمليات المعقدة لا يمكن إنجازها دون توفير الحماية الأمنية لمن يقومون بالتهريب والإتجار من قبل عدد من العناصر الأمنية أو القوات النظامية، سواء تلك التى تحرس الحدود أو التي تقوم على حفظ الامن والنظام في معسكرات اللجوء أو أولئك ممن يتنشرون في نقاط التفتيش العديدة والتي تعمل على مدار الساعة. حيث نقل العديد من شهود العيان عن رؤيتهم لقيام عدد من العناصر الأمنية بالقوات النظامية بالتنسيق والإتفاق مع مجموعات المهربيين بالسماح بمرور ضحايا التهريب دون توقيفهم، وفي بعض الحالات يقوم عناصر القوات النظامية بعمليات التهريب وإيصال ضحايا الإتجار في البشر الى الخرطوم والمدن السودانية الأخرى.

وأوضح نموذج لقيام عناصر من القوات النظامية بالتورط في جريمة التهريب والإتجار في البشر ما ورد في وسائل الإعلام عن توقيف اجهزة الإستخبارات العسكرية بنقطة تفتيش منطقة الخياري، المدينة الفاصلة بين ولايتيّ القضارف والجزيرة، فى العام 2014 ، لضابط بالقوات المسلحة السودانية برتبة الرائد، أثناء محاولته لتهريب أربعة من اللاجئات الإثيوبيات داخل عربته الخاصة. حيث أقتيد ذلك الضابط على ضوء مشادات كلامية مع أفراد نقطة التفتيش الى قسم شرطة منطقة الفاو، ودونت في مواجهته بلاغات جنائية بموجب مخالفته لقوانين الإتجار في البشر واللجوء والهجرة السودانية، وبالفعل أصدرت المحكمة حكماً في مواجهة ذلك الضابط بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ و تغريمه مبلغ 10000 جنيه.

ومن حوادث مشاركة عدد من عناصر القوات النظامية في جريمة التهريب والإتجار في البشر، فقد تناقلت وسائل الإعلام حادثة إلقاء القبض على ومحاكمة مواطن يقود عربة خاصة إستيشن، بصحبته ضابط بالقوات المسلحة برتبة نقيب مرتدياً للزي العسكري، و ذلك أثناء قيامهم بتهريب مجموعة من المهاجرات الأثيوبيات. وقد ورد في الحيثيات وحسب روايات شهود الحادثة، عن قيام ضابط القوات النظامية بمرافقة سائق العربة في مرات عديدة سابقة ظل يسهل خلالها مرور تلك العربة عبر نقاط التفتيش، الأمر الذى دعا الإستخبارات العسكرية الى تشكيل فريق خاص و إعداد كمين بنقطة التفتيش تأكد فيه قيام العربة بتهريب عدد من اللاجئات. ونسبة للنفوذ الذي يتمتع به ذلك الضابط، فقد تم لاحقاً إخلاء سبيله بزعم عدم ملكيته لتلك العربة التي نفذت بها جريمة التهريب، كما انكر ضابط القوات النظامية أي معرفة أو علاقة بالمهاجرات، أو أن وجوده بالعربة لم يكن بغرض حماية عملية التهريب.

أصوات ضحايا التهريب والإتجار في البشر :

فى سبيل الإلمام ببعض جوانب إرتكاب جريمتيّ التهريب والإتجار في البشر بالسودان، كان لابد من إستطلاع ومعرفة تجارب عدد من المهاجرين واللاجئين من الضحايا ممن تم تهريبهم إلى داخل المدن السودانية، بما فيها الإحاطة بالكيفية التى يتم بها التهريب، والتكاليف المالية، والاطراف المشاركة، و الصعوبات التى واجهتهم خلالها. وعلى الرغم من صعوبة الحصول على المعلومات وإفادات هؤلاء الضحايا بسبب الخوف أو عدم الرغبة في إثارة تلك التجارب المريرة، إلا أن الإفادات التى تم توثيقها أوضحت الكثير من الحقائق الخافية حول جريمتيّ التهريب والإتجار في البشر.

 ونسبة  للتتشابه إلى حد التطابق في معظم الإفادات والروايات التي تم الحصول عليها حول كيفية التهريب والمشاركين فيه، يكتفي هذا الجزء بإيراد الإفادتين التاليتين:

” تروي إحدي الضحايا من النساء الإرتريات و التى تعمل بائعة شاي في إحدي مدن وسط السودان، بأنها كانت تحلم وتسعى منذ مدة طويلة  للهجرة إلى إيطاليا عبر السودان و ليبيا. ولتحقيق ذلك الحلم، تعرفت على شخص وعدها بتسهيل ترحيلها الى السودان، حيث قامت بالفعل بدفع ما يعادل مبلغ الــــــــ 300 دولار بعملة النقفة الإرتيرية بعد مجهود كبير شارك فيه كل الأسرة لجمع نحو الألف دولار. وبالفعل وجدت نفسها مع مجموعة من أخرى من الإرتريين، تم نقلهم عبر الحدود حتي معسكر الشجراب لللاجئين جنوب مدينة كسلا بشرق السودان. وذكرت أنها ظلت بالمعسكر لمدة شهرين في إنتظار رد سلطات المعسكر على طلب تسجيلها كلاجئة. وخلال تلك الفترة بالمعسكر، تعرفت الضحية على وسيط إرتري يتمتع بعلاقات واسعة داخل وخارج المعسكر نقلت له رغبتها في الهروب من المعسكر الى الخرطوم ومنها الى ليبيا ومن ثم إيطاليا، واطلعته على المبلغ بحوزتها. وبالفعل قام الوسيط الإرتيري بتنسيق خروجها والإتفاق مع مهربين لنقلها من نقطة معينة خارج المعسكر وترحيلها الى العاصمة الخرطوم مقابل مبلغ 1500 جنيه سوداني للمهربين ومبلغ 500 جنيه للوسيط، أي ما يعادل الــــــ500 دولار امريكي حينها. حيث ذكرت أنه بعد دفع المبلغ كاملاً للوسيط بدأت الرحلة من نقطة تجمع بعيده عن المعسكر نحو الخرطوم مع ثلاثة نساء اخريات وستة من الرجال، تم إجلاسهم على ارضية عربة تويوتا بوكس، بالإضافة الى سائق العربة ورجل آخر يرتدي ملابس الشرطة الرسمية الى جواره.

وقالت الضحية أن العربة بدأت في التحرك بعد مغيب الشمس عبر طرق ترابية وعرة، وفي آحايين قليلة عبر طرق أسفلتية، وقد كانت السيارة تسير بسرعة عالية رغم صعوبة الطريق. وخلال الرحلة تذكر الضحية أنه تم إيقافهم مرة واحدة في إحدى نقاط التفتيش تحدث خلالها رجل البوليس بصحبتهم مع المسؤولين لدقائق معدودة سمح بعدها للعربة بمراصلة المسيرة. وعند منتصف الليل، ذكرت الضحية أن العربة قد توقفت عند إحدى القرى وتم إنزالهم في منزل صغير وطلب منهم عدم مغادرته مطلقاً. وفي مساء اليوم التالى حضر شخصان، إثيوبي وسوداني، يقودان عربة حافلة نقل ركاب اقلتهم الى منطقة عرفوا لاحقاً بانها منطقة حي الجريف غرب بالخرطوم، حيث قام الشخص الإثيوبى بتوزيع من كانوا بالعربة على عدد من المنازل التي يقطنها إثيوبيين وإرتريين، وطلب من الركاب التسعة دفع مبلغ 250 جنية سوداني، نحو 60 دولار حينها، مقابل الرحلة والإقامة والإعاشة لليوم الأول في ذلك البيت. وأختتمت ضحية التهريب والإتجار حديثها قائلة بأنها مكثت في ذلك البيت لعدة أسابيع حتى تم طردها منه لعدم سداد قيمة الإقامة والإعاشة، وإنتقلت الى منطقة أخرى بالخرطوم بعد أن جدت فرصة للعمل كمساعدة في بيع الشاي بالسوق. وذكرت بأن حلمها وحماسها للهجرة الى إيطاليا قد ضاع الان بسبب التكاليف المالية الكبيرة التي طلبت منها لترحيلها الى ليبيا، وأن عملها الحالي بالكاد يكفي متطلبات سكنها ومعيشتها، إلا أنها الآن أفضل حالاً وإستقراراً بعد أن تعلمت اللغة العربية وبدأت تفقد حماسها للهجرة إلى أوربا بسبب صعوبة جمع المبلغ المطلوب من قبل يساعدون في رحلة التهريب هذه.

أما القصة والإفادة الثانية لأحد ضحايا التهريب والإتجار في البشر فيروي صاحبها:

” أنه كان يعمل كعامل وحارس لرجل أعمال سوداني بإثيوبيا. وكان أن نقل الى أحد الموظفين السودانيين هنالك عن رغبته العارمة في الذهاب الى السودان ومن هنالك الى أوربا. وقد قدمه ذلك الشخص السوداني الى أخر إثيوبي والذي طلب منه دفع ما يعادل مبلغ الـــــــ 400 دولار إمريكي، لتبدأ قصة تهريبه من منطقة شهيدي بإثيوبيا مباشرة الى الخرطوم، دون المرور أو المكوث في معسكرات اللاجئين بشرق السودان. حيث تم نقله اولاً الى منطقة ابوقمل على الحدود السودانية الأثيوبية حيث كان في إنتظاره على النقطة الحدودية بالسودان شخصين يبدو عليهم انهم مسؤولين حكوميين أو من قوات حرس الحدود، قاموا بوضعه في عربة أخرى مع آخرين واصلت مسيرتها دون توقف الى الخرطوم، حتي وجد نفسه في إحدى مزارع الدواجن، والتي علم لاحقاً أن مالكها هو نفس رجل الأعمال السوداني الذي كان يعمل معه في إثيوبيا. وعلى الرغم من رضائه عما يعود اليه شهرياً في المزرعة، إلا أن شروط عدم مغادرته للمزرعة دون إذن وتنسيق وضعف العائد المالي الذي يحصل عليه مقابل عمله جعلته أكثر إصراراً وجدية في أهمية جمع المبلغ المطلوب لكي يواصل رحلته من السودان إلى ليبيا ومنها إلى اوربا”.

بالإضافة الى هاتين القصتين، فإن إفادات وروايات ضحايا التهريب والإتجار في البشر عبر حدود السودان الشرقية قد فصلت في جملة المصاعب و التحديات التي تواجههم أثناء رحلاتهم الى الخرطوم والى مدن شمال ووسط السودان. حيث ذكر بعضهم أن المهربين و سماسرتهم  فى احياناً كثيرة  يستلمون المبالغ المتفق عليها لتهريبهم الى الخرطوم إلا أنهم لا يوفون بإلتزاماتهم بزعم عدم موافقة أو وجود السلطات الأمنية السودانية التي تعمل معهم، حيث يتركهم المهربون فى معسكرات اللاجئين أو في القرى الحدودية دون تسليمهم إلى رصفائهم من المهربين داخل السودان. ومن المصاعب التي وردت في إفادات ضحايا التهريب والإتجار في البشر أن المهربين من السودانيين، و بعد قطع مسافات طويلة داخل الأراضى السودانية، يقومون بترك  الضحايا في مناطق نائية وخلوية بحجة أن أمامهم نقاط تفتيش أمنية، وعندها يظهر عناصر من الأجهزة الامنية يطلبون مزيداً من الأموال حتي يتم السماح لهم بمواصلة الرحلة الى الخرطوم، ومن لا يدفع من الضحايا يجدون أنفسهم عرضة لإبتزازات من نوع آخر كالعمل دون أجر لفترات طويلة، وتعرض النساء و الفتيات منهن للتحرش وللعلاقات الجنسية القسرية، بما فيها الإغتصاب.

وعند تتبعنا للقضايا التفصيلية الخاصة بالمعأناة القاسية التي يواجهها ضحايا التهريب والإتجار في البشر من المهاجرين وطالبيّ اللجوء واللاجئين، بالإضافة الى ضلوع الاجهزة الامنية وعناصر القوات النظامية السودانية في هذه الجرائم، فإنه من المهم الإشارة الى جريمتين مترابطتين بقضايا التهريب والإتجار في البشر، وهما قضيتيّ الإستغلال في العمل، والإستغلال الجنسي:

( 1) الإستغلال في العمل:

لقد أوجد التواجد الكثيف للإثيوبيين و الإرتريين من ضحايا التهريب الإتجار بالبشر بالسودان سوق رائجة للعمالة الرخيصة إستغله أصحاب و صاحبات الأعمال و أرباب و ربات البيوت لإستجارهم بإجور ضعيفة ودون الإلتزام بعقود عمل قائمة على الحقوق والواجبات، و غياب كامل لأي  إستحقاقات أخرى مثل التأمين الصحى و الإجازات و المعاملة الكريمة. فى مثل هذه الظروف، يجد المهاجرون واللاجئون من ضحايا التهريب والإتجار بأن لا خيار لهم سوى  القبول بتلك الاوضاع الإستغلالية و بشروط العمل المزرية حتى يتستطيعوا تلبية إحتياجاتهم اليومية الأساسية،  هذا إضافة الى رضوخهم للمعاملات المسيئة في حق العامل مثل التحقير و العمل لساعات طويلة و إنهاء الخدمة من دون إنذار.

(2) الإستغلال الجنسي:

يشكل الإستغلال الجنسي وسط النساء والفتيات أحد أهم الآثار السالبة المترتبة على جريمتيّ  التهريب والإتجار في البشر  في السودان. فحوجة ضحايا هذه الجرائم للحماية من قبل أرباب العمل، خاصة من يعملن في الخدمة المنزلية، تعتبر المدخل الرئيس للإستغلال الجنسي الذي يتعرضن له بصورة يومية في ظل هيمنة وسيادة ثقافة ذكورية وجنسية راسخة تمييز ضد مواطنات إثيوبيا وإرتريا عموماً. هذا بالإضافة الى تعرض هؤلاء الضحايا من النساء والفتيات للضغوط التي تتضرنهن للعمل فى بيع الجنس عندما لا يجدن عمل آخر، وبما يهدر كرامتهن بصورة أكبر ويعرضهن للمعاملة القاسية والعنف الجنسي، والذى وصل الى حد القتل فى بعض الأحداث.

وبالرغم من كل الصعوبات والمخاطر الناتجة عن عمليات التهريب والإتجار في آدمية المهاجرين واللاجئين والعابرين للسودان كمسرح مرور وإنتقال، فإن الكثير من هؤلاء الضحايا ممن تم إستطلاعهم(ن) يرون بأنه بالرغم من الصعوبة وعدم إنسانية رحلتهم والإستغلال المتعمد لأوضاعهم(ن) والتكلفة المالية العالية لعملية الهروب، بالرغم من كل ذلك إلا أن نجاحهم  فى الوصول الى العاصمة لخرطوم يعد انتصاراً كبيراً فى سبيل تحقيق أحلامهم في العبور.

المبدئية في مكافحة جرائم التهريب والإتجار في البشر :

تقع على السودان بإعتبارها دولة مضيفة للمرور لضحايا التهريب والإتجار في البشر حزمة من المسئوليات المحدده. على رأس هذه المسؤوليات هو القبض على و المحاكمة العادلة على المشاركين في قضايا التهريب والإتجار في البشر، وعلى رأسهم المحاسبة القاسية للمشاركين في هذه الجرائم من عناصر القوات النظامية و قوات الأمن.

وتشمل مبدئية التعامل مع مكافحة جرائم التهريب والإتجار في البشر حماية الضحايا وإستضافتهم و مساعدتهم، بتضميين قوانيين مكافحة الإتجار في البشر الدولية فى الدستور والقوانيين السودانية، بما فيها الإلتزام بمصادقة الحكومة السودانية على الإتفاقيات الدولية الخاصة بمحاربة هذه الجريمة مثل إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية،المصادق عليها فى 10 ديسمبر 2004، والمصادقة على البرتوكول الخاص بمنع و قمع و معاقبة الإتجار في البشر و بخاصة النساء و الأطفال المكمل لأتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية في ديسمبر     2014.

و للتأكيد على أهمية الإطلاع بهذه الإلتزامات والمسئوليات الدولية، فأن مؤتمر مكافحة الإتجار بالبشر في القرن الأفريقي الذي عقد بالخرطوم في 13/10/2014، والذي حظي بمشاركة أفريقية وغربية واسعة بإعتباره الأول من نوعه في هذا المجال، يتطلب من الحكومة السودانية الإلتزام بالتنفيذ الصارم للتوصيات والإستراتيجيات وخطط العمل التي تضمنها إعلان الخرطوم، ويشمل  أهماها:

    أوصى الدول المشاركة على التصديق على الوثائق الإقليمية والدولية الخاصة بالتهريب والإتجار بالبشر .
طالب بتطوير التعاون والتنسيق بين جميع أصحاب المصلحة الإقليمية والدولية ، وتعاونهم في تنفيذ مخرجات المؤتمر.
طالب بإدماج منع وتجريم التهريب والإتجار في البشر في سياسات وبرامج الدول المشاركة والرامية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الإنسان وحكم القانون والتعليم .

خاتمة :

إن إنتشار عمليات التهريب والإتجار في البشر، وتناميها وبروزها المقلق، قومياً وإقليمياً ودولياً، مع إفتضاح تدخل عامل الفساد الحكومي من قبل عناصر القوات النظامية في تسهيل وتنظيم وحماية عمليات التهريب مع المجموعات المنظمة من عصابات التهريب والإتجار في البشر، يتطلب مزيد من الجهد المخلص للإحاطة بتصورات وخبرات، وإشراك أصحاب المصلحة المباشرة من ضحايا التهريب والإتجار في البشر عبر مجتمعاتهم وكياناتهم المعروفة، وإشراك منظمات المجتمع المدني السودانية المستقلة وأصحاب الخبرة من السودانيين، خاصة في ظل التشكك في نوايا وأهداف الحكومة السودانية،  من أجل الوصول إلى إستراتيجية، قابلة للتنفيذ، شاملة وعادلة في التعامل مع أزمة التهريب والإتجار في البشر في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى