محاكمات وإعدامات في السودان : بين العدالة والظلم
تقانونيون ومواطنون يطالبون بعدم أخذ الناس بالشبهات، لأن العدالة، تتطلب إثباتاً فعلياً للجريمة، وفق قانون يحدد التعريف الحقيقي لطبيعة الجريمةقارير حقوقية تحدثت عن اعتقال السلطات أكثر من ألفي شخص، بينهم نساء وأطفال، في سجن ود مدني، بتهم التعاون مع قوات الدعم السريع
محاكمات وإعدامات في السودان : بين العدالة والظلم
قانونيون ومواطنون يطالبون بعدم أخذ الناس بالشبهات، لأن العدالة، تتطلب إثباتاً فعلياً للجريمة، وفق قانون يحدد التعريف الحقيقي لطبيعة الجريمة
تقرير: مشاعر رمضان … خاص (سودانس ريبورترس) …27 أغسطس 2025
من أول يوم في الحرب ظهرت شخصية (إيواء)الإنسانة التي تتفاني في خدمة الناس والمجتمع، فكانت تجلب الماء وتصنع الطعام لأهل المزاد، ولم تكتف بذلك، فكانت تدرس الأطفال.
حاجة نفيسة التي تبنّت إيواء منذ زمن طويل بعد وفاة والديها، لديها أبناء معروفين في حي المزاد، صبري وكوجي، وهذه الأسرة محبوبه، فمن أول يوم أصبح الناس يتجمعون أمام منزلهم.
أصبحت شجرة بيت حاجة نفيسة مكان لتجمع أهل المزاد بالخرطوم بحري، الذين لم يستطيعوا الخروج من المزاد إبان الحرب، يتجمعون ويأكلون أغلب وجبات اليوم في هذا المكان.
(إيواء) أيضاً كانت تنقل الماء من البئر للبيت، وكذلك تقوم بنقله لكبار السن في الحي، توصل لهم الطعام والماء لداخل منازلهم، وتقف على خدمتهم دون إبداء أي ضيق، بل بوجه مبتسم وصبوح….عطاء يواء لم يقف عند هذا الحد أبداً، بل امتدّ لأكثر من ذلك، لتثبت أن العطاء الصادق لا حدود له، فقامت بفتح روضة صغيرة لأطفال الحي المساكين، حيث أن هنالك أُسر عديدة لم تغادر المزاد.
وكانت (إيواء) بعد أن تنتهي من إعداد الطعام ونقل الماء، تذهب للروضة التي أنشأتها، لتدريس الأطفال واللعب معهم، لتخفيف الآثار النفسية للحرب عليهم. ومنذ بداية الحرب، إعتمد الكثيرين من أهل حي المزاد في أكلهم وشربهم، على ماتفعله يواء، أصبح أهل الخير من حي المزاد في الداخل والخارج، يرسلون الأموال إلى يواء للمساهمة في إعداد الطعام، فكانت يواء هي القبلة عندما هربت وغابت الدولة.
وعلى الرغم من بذل (إيواء) إلّا أنها لم تسلم من اتهامها بالتعاون مع الجنجويد، لانها كشفت عن أحد الأسر المعروفة في حي المزاد، وسرقتهم منازل المواطنين الذين غادروا على عجل، عند اندلاع الحرب.
وبحسب إفادات كانت هذه الأسرة، الأب وأولاده متخصصين في سرقة الذهب من بيوت المواطنين، وكان الأولاد ليسوا فقط “متعاونين”، بل، إنهم إنضموا بشكل رسمي لقوات المليشيا وحملوا السلاح وا رتدوا (الكدمول)، وأدعوا فيما بعد أنهم كانوا يتعاونون مع الإستخبارات العسكرية.
و عند خروج قوات المليشيا من بحري، وعودة قوات الجيش وبداية عودة المواطنين لديارهم، كشفت(إيواء) إجرام تلك الأسرة، وبأنهم كانوا يسرقون ممتلكات المواطنين.
عندها قامت الأسرة المجرمة وعن طريق علاقاتها مع الأجهزة الأمنية، بفتح بلاغ في إيواء، وإتهامها بأنها كانت تتعاون مع قوات الدعم السريع، وأحضروا شهود زور، ليشهدوا زوراً ضد (إيواء)، فتم القبض عليها، وقدمت للمحاكمة، وحُكم عليها بالإعدام، مايؤكد أن الاتهام والحكم كيدي، والشاهد سكان حي المزاد، الذين حضروا من ولايات عديدة للمحكمة ليشهدوا لـصالح (إيواء)، ولكن لم يتم إدخالهم لقاعة المحكمة، ليدلوا بشهادة صدقٍ أمام القاضي، في تجاوز واضح للقانون والعدالة.
حملات مناصرة
في مقابل ذلك، أطلقت مجموعات واجسام حملات واسعة بالسوشيال ميديا تضامنا مع قضية إيواء، التي أصبحت قضية رأي عام، حتى تُحاكم يواء محاكمة عادلة، وتظهر براءتها.
وقالت الناشطة سهام محجوب لـ(سودانس ريبورترس) إن قضية إيواء كشفت كيف يمكن أن يتحول النفوذ إلى سلاح يقتل العدالة، وأضافت الأسرة المعروفة في الحي بإجرامها وتعاونها مع المليشيا، وأبناؤها الذين كانوا من أكثر “الشفشافة” نهباً للبيوت، أيام احتلال المليشيا مدينة بحري، أفلتت من المحاسبة، لأن لهم قريب ضابط في الجيش، مدّعين أن أولادهم كانوا “ساموراي” مزروعين داخل المليشيا.
وأكدت أن إيواء لم تكن يوماً جزءاً من الدعم السريع، بل كانت صوتاً وموقفاً في زمن الصمت… خدمت أهل حيها وقت غياب الدولة، كانت تعد والطعام، وتحتضن كل محتاج. وعندما وقعت حادثة السرقة التي ارتكبتها تلك الأسرة، لم تتردد إيواء في الشهادة عليهم علناً، وعند استلام الجيش لمدينة بحري، لفقوا لها تهمة التعاون مع الدعم السريع، وتمّ اعتقالها مع الكثيرين من أبناء الأسر، وبعض “المستنفرين”، لكن المفاجأة أن الجميع خرجوا، إلّا هي، لتظل حبيسة في المعتقل حتى صدر بحقها حكم بالإعدام.
وفي السياق، طالبت سهام الدولة بإعادة فتح ملف قضية إيواء، والتحقيق بشفافية ونزاهه، ورد اعتبارها، ومحاسبة الضابط الذي مكن هذه الأسرة من الإفلات من العقاب، رغم استنفارهم مع قوات الدعم السريع.
السجن والإعدام في حق الآلاف
لم تكن قضية إيواء هي الأولى، وإنّما دُوِّنت أكثر من (15) ألف اتهام في مواجهة من أسموهم “متعاونين” مع قوات الدعم السريع، أو “متخابرين”، أو”مشاركين” معها لدى النيابة العامة، إضافة إلى اتهامات أخرى تحت طائلة القانون الجنائي، شملت الجرائم ضد الإنسانية، وقالت مصادر قانونية في النيابة العامة، إنّ اللجنة دونت أكثر من 15 ألف اتهام في مواجهة “متعاونين” مع قوات الدعم السريع، أو متخابرين ومشاركين معها، إضافة إلى اتهامات أخرى تحت طائلة القانون الجنائي شملت الجرائم ضد الإنسانية
وكانت تقارير حقوقية تحدثت عن اعتقال السلطات أكثر من ألفي شخص، بينهم نساء وأطفال، في سجن ود مدني، بتهم التعاون مع قوات الدعم السريع.
وهناك أخبار متداولة مفادها أنّ المحاكم في ولايات كسلا والبحر الأحمر والقضارف ونهر النيل والشمالية والنيل الأبيض، خلال المراحل السابقة، قضت بأحكام إعدام والسجن لفترات مختلفة على مئات المتهمين بالاشتراك والتعاون والتخابر مع قوات الدعم السريع .
اختبار العدالة
ومن جانبها رأت مجموعة شوارع على منصتها بالفيسبوك إن الحرب الحالية، وبعد انتصارات القوات المسلحة السودانية، وحلفائها العسكريين، في الإقليم الأوسط، وتقدم القوات العسكرية نحو الإقليم الغربي، أظهرت اختلالات بائنة في ملف العدالة، فيما يخص من يُطلق عليهم المتعاونين والمستنفرين في صفوف “المليشيا” من أبناء الأقاليم التي استردّها الجيش.
واشاروا إلى تجاوز التعامل العسكري والأمني والقانوني أحياناً للعدالة، فيما يتعلق بملف التعاون والمشاركة مع قوات الدعم السريع، مما فتح الباب واسعاً أمام تصفية الخصومات الشخصية، واستخدام العلاقات الأسرية في التجاوزات، وهذا ما أظهر غضباً وإحباطاً شعبياً، من وجود بعض المتعاونين مطلقي السراح، واعتقال بعض المواطنين الأبرياء بتهمة التعاون مع “المليشيا”، أو استخدام القتل خارج الإطار القانوني.
وطالب قانونيون ومواطنون عدم أخذ الناس بالشبهات لأن العدالة، تتطلب إثباتاً فعلياً للجريمة، وفق قانون يحدد التعريف الحقيقي لطبيعة الجريمة، ويحدد الآليات الأمنية والعسكرية والقانونية، التي تقوم بعمليات القبض والتحقيق والاستجواب والاتهام، بعيداً عن استغلال الروابط الأسرية أو تصفية الخصومات الشخصية.
وأكدت المنصة أن جريمة التعاون والتخابر مع قوات الدعم السريع، يجب أن لا ترتبط بأي عرق أو دين أو قبيلة أو نوع اجتماعي، مما يتطلب ضرورة التعريف الواضح لجريمة التعاون والتخابر والمشاركة مع المليشيا.
وعبّر عدد من المحامين والمحاميات والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، رفضهم الكامل لعمليات القتل خارج إطار القانون، واستغلال القانون في تصفية الخصومات الشخصية، وفي استخدام الروابط الأسرية للتجاوز، كما طالبوا بإحترام الحق الإنساني فى المحاكمة العادلة، والحق فى المحاسبة، وأنّ المتهم بريء حتّي تثبت إدانته، أمام محكمة تتوفر فيها معايير المحاكمة العادلة، مع أهمية توضيح المسارات العدلية، والأجهزة القضائية المعنية.
انتهاكات خارج نطاق القانون
ومن جهته قال المحامي والمدافع عن حقوق الانسان، عثمان البصري في تصريح لـ(سودانس ريبورترس) إن اتهام المواطنين جزافاً، بالتعاون مع أحد طرفي الصراع، يُعتبر انتهاكاً لحق الانسان وكرامته… وأضاف البصري إن كل ما لحق بالمواطنين المتهمين بالتعاون سواء كان في المحاكم أو خارجها، هو انتهاك خارج إطار القانون… ونبه إلى أن غالبية ولايات السودان خارج ولاية القضاء، وتابع: حتى القضايا التي تصل المحاكم الموجودة في مناطق محدودة، فإن السلطة القضائية هناك خاضعة لسلطة الطرف المسيطر.
وأكد البصري أن كل المتهمين بالـ”تعاون” لا تنطبق عليهم التهمة التي حددتها المادة (51) من قانون الإجراءات الجنائية، المتمثلة في (إعداد الجيوش لمحاربة الدولة والتعامل مع دولة معادية للبلاد). ورأى أن تلك التهمة لا تنطبق على من يتم اعتقالهم ومحاكمتهم بتهم التعاون، لأنهم لم يتعاونوا وإنما هم مواطنين تمسكوا بالبقاء في مناطقهم، بعدما أتت قوات الدعم السريع، واحتلتها بالقوّة، وفرضت واقعاً جديداً على المواطنين، جعلهم خاضعين لسيطرتها وفق ظروف خارج عن إرادتهم.
وقال البصري أن الأحكام القضائية التي صدرت في حق مواطنين متهمين بالتعاون، كلها تعسفية، ولا تتماشى مع حقوق الانسان وكرامته الإنسانية.
*الصور من الإنترنيت




