اخبارالسودانتقاريرسلايدر

العنف الأسري في السودان.. هل تُضيع النساء والفتيات حقوقهن بالصمت؟

الحرب في السودان لم تؤدِّ إلى تزايد العنف الأسري، فحسب، بل زادت من هشاشة الأسرة والمجتمع، وجعلت الضحايا أكثر عرضة للانتهاكات دون حماية فعّالة

العنف الأسري في السودان.. هل تُضيع النساء والفتيات حقوقهن بالصمت؟ 

الحرب في السودان لم تؤدِّ إلى تزايد العنف الأسري، فحسب، بل زادت من هشاشة الأسرة والمجتمع، وجعلت الضحايا أكثر عرضة للانتهاكات دون حماية فعّالة

تقرير: حسيبة سليمان      خاص (سودانس ريبورترس)  ….. 23 أغسطس 2025

شهدت الأسر السودانية تحوُّلات عميقة منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، انعكست بشكل مباشر على العلاقات داخل الأسرة، ومستوى الأمان المنزلي .. وقد تجلّت هذه التحولات بأبشع صورها في سلسلة حوادث مقتل نساء على يد أزواجهن أو مطلقيهن، كان آخرها اغتيال الطبيبة روعة علاء الدين، في مستشفى الضمان بمروي، على يد طليقها، حيث تلقت منه ستة عشر طعنة، لم تنجح معها محاولات الطاقم الطبي في إنقاذ حياتها.

وتتكرر هذه الجرائم بشكل مؤلم، فقد سبقتها قبل أشهرٍ قليلة، حادثة مقتل سودانية على يد طليقها في المملكة العربية السعودية، بعد حكم المحكمة بإرجاع أطفالها إلى حضانتها، سبقها حكم قضائي في مكة المكرمة العام الماضي، على سوداني قتل زوجته طعناً إثر خلاف عائلي … هذه الحوادث المتسلسلة تكشف عن تصاعد العنف الأسري بشكل غير مسبوق، وسط ظروف الحرب والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والنزوح القسري.

أسباب تصاعد العنف الأسري

يُشير خبراء علم النفس والاجتماع، إلى عدة عوامل أساسية ساهمت في تفاقم العنف الأسري، بعد الحرب على رأسها: الضغوط الاقتصادية، التي أدت التحديات الاقتصادية فيها، إلى تركيز المسؤولية المالية على شخصٍ واحد، ما يُولِّد شعوراً بالغضب، والإرهاق، يتحول أحيانا إلى عنف داخل الأسرة، تكون فى أغلب الأحوال ضحيّته المرأة “الزوجة”، وأحياناً المرأة والأطفال، حيث يكون المعنِّف – دوماً- هو الرجل أو “رب الأسرة”… ومن الأسباب الراجحة آثار النزوح، واللجوء، حيث تراجُع أو انعدام الاستقرار المعيشي والنفسي، واضطرار الأسر إلى العيش في مخيمات مكتظة بالسكّان، حيث يزيد الاحتكاك والتوتر بين أفراد الأسرة، ومع الآخرين كذلك، وتأتي من قبل ومن بعد، آثار وتداعيات الصدمات النفسية الجماعية والفردية، فمشاهد القتال والعنف تُعزّز السلوك العدواني لدى بعض الأفراد، ما ينعكس على الأسرة، ويزيد احتمال وقوع العنف المنزلي.

أشكال العنف الأكثر بروزاً

تقول الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم لــ(سودانس ريبورترس) إن أبرز أشكال العنف التي ظهرت بعد الحرب تشمل: تزويج الأطفال، الذي انتشر خاصة في مناطق النزوح، ويُعد من أقسى صور العنف ضد النساء والفتيات، بجانب العنف النفسي واللفظي والبدني، فاللغة الجارحة والمسيئة والمُحقِّرة والتهديدات بما فى ذلك، التهديد بالقتل، بين أفراد الأسرة، ازدادت حدّتها ووتيرتها نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية … وأصبحت مشاهد العنف الجسدي، ضد الزوجة أو الأطفال، من المشاهد المألوفة، وغالباً ما تكون امتداداً طبيعيّاً للصدمات النفسية، وعدم وجود رقابة فعالة.

ضعف آليات الحماية

وتضيف ثريا إبراهيم: بعد الحرب، أصبحت قُدرة الدولة والمجتمع على حماية الضحايا محدودة، حيث تواجه وحدات الشرطة والأجهزة المعنية صعوبات كبيرة في توفير حماية فعلية وفعّالة للمجتمعات المتاثّرة بصدمة “تروما” الحرب، والعنف الناتج عنها… هذا الانعدام  للأمن والأمان يجعل العنف الأسري مستمراً ومتصاعداً، فى غياب تدخلات واضحة وسريعة من أجهزة الدولة الشرطية، وانعدام الردع  من مؤسسات الدولة، ما يعكس هشاشة البنية الاجتماعية في مواجهة الأزمات.

إستراتيجيات الحد من العنف

توصي الباحثة ثريا إبراهيم، بمجموعة من الحلول العملية للحد من العنف الأسري، تتلخّص في: توفير الدعم النفسي، وإقامة ورش تأهيلية للضحايا والأسر المتضررة من الحرب، وتحسين الوضع الاقتصادي للأسرة عبر توزيع المسؤوليات المالية، بشكل عادل، وتوفير فرص عمل للجميع، بما يخفف الضغط على الفرد الواحد، مضافاً إلى تعزيز الرقابة المجتمعية، وتفعيل آليات حماية الأطفال والنساء، خاصة في مناطق النزوح واللجوء.

وتختم ثريا إبراهيم حديثها لــ(سودانس ريبورترس) بأن الحرب وآثارها الكارثية، لم تكتفِ بتدمير الاقتصاد، وتهديد استقرار المجتمع، فحسب، بل زعزعت استقرار وأمن وأمان الأسرة، وجعلت العديد من الأفراد، وبخاصّة النساء والأطفال، عُرضة للعنف، مما يستدعي تدخُّلاً عاجلاً من الدولة، والمجتمع والمجتمع المدني، لاحتواء الظاهرة، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشةً من العنف.

 واقع مرير ومضاعفات اجتماعية

من جانبها تؤكد الدكتورة أسماء جمعة، الباحثة في علم الاجتماع لــ(سودانس ريبورترس) أنّ تزايد العنف الأسري في السودان، خلال الحرب، يجيء نتيجة لتراكم الضغوط النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، على الأسر، مشيرةً إلى  أنّ الحرب خلقت بيئة من الخوف والقلق والرُعب المستمر، ومع غياب الأمان يزداد التوتر النفسي، ما يدفع بعض الأفراد للتفريغ العدواني داخل الأسرة… وتضيف الدكتورة أسماء جمعة “إنّ الأزمات الاقتصادية الناتجة عن فقدان الوظائف، وازدياد متطلّبات الحياة، وارتفاع الأسعار، وانقطاع مصادر الدخل، قد تؤدّي إلى نزاعات أسرية متكررة، في ظل انهيار مؤسسات الدعم، وغياب الحماية القانونية، والاجتماعية، التي كانت تحمي النساء والأطفال، ما يترك الضحايا دون ملاذ أو مساعدة.

أبرز أشكال العنف الأسري خلال الحرب

  أكّدت دراسات ميدانية، أنّ الحرب تركت – وما زالت – فى العلاقات الأسرية شروخاً عميقة، تمثّلت فى أشكال مختلفة من العنف الجسدي، وازدياد حالات الضرب والإيذاء بين الأزواج، أو من الآباء، تجاه الأبناء، خاصة عند فقدان مصادر الدخل، بجانب العنف النفسي والمعنوي، والذي يشمل الإهانات، التهديد بالطرد، والسيطرة على حركة النساء والفتيات فى الريف والحضر، فيما يزداد العنف الاقتصادي، و الذي يشمل حرمان النساء من الوصول إلى المال، أو المساعدات الإنسانية، وإجبار الأطفال على العمل في ظروف خطرة، مُضافاً إلى  ازدياد معدلات العنف الجنسي، والزواج القسري للفتيات القاصرات، خاصة في بيئات النزوح المكتظة…وهناك ظاهرة إهمال الأطفال، وكبار السن، نتيجة الانشغال بتأمين الغذاء، أو نقص الخدمات الأساسية، وتفاقم النزاعات الأسرية بسبب الآثار النفسية الناتجة عن النزوح واللجوء، الذي يقطع الروابط الاجتماعية، ويقلل الترابط الأسري، ما يزيد من هشاشة المجتمع أمام العنف… كما لعبت الصدمات النفسية الجماعية الناتجة عن الحرب والمشاهد الدموية، والمجازر، دورا كبيراً في زيادة العنف، عبر تفريغ الغضب داخل الأسرة، وضعف السيطرة على الانفعالات السالبة.

وتشير الدكتورة أسماء، إلى أن قدرة الدولة والمجتمع، تراجعت بصورة غير مسبوقة، وبشكلٍ ملحوظ، عن حماية الضحايا، مقارنة بما كان قبل الحرب، وذلك، نتيجة لانهيار المؤسسات الرسمية، وفشلها فى القيام بمهامها وواجباتها المنوط بها، وغياب الدعم الاجتماعي والمجتمعي، وصعوبة الوصول إلى المساعدات الإنسانية، إضافة إلى الخوف من “الوصمة” الاجتماعية التي تمنع الضحايا من الإبلاغ عن الانتهاكات.

وتنهي الدكتورة أسماء جمعة، حديثها لــ(سودانس ريبورتس) بالقول:”باختصار، الحرب في السودان لم تؤدِّ إلى تزايد العنف الأسري فحسب، بل، زادت من هشاشة الأسرة والمجتمع، وجعلت الضحايا أكثر عرضة للانتهاكات دون حماية فعّالة.

 

هل تضيع النساء والفتيات حقوقهن بالصمت؟

مدير إدارة الصحة النفسية بوزارة الصحة بالخرطوم، الدكتورة هيام إبراهيم، قالت في حديثها لـ(سودانس ريبورتس): “إن العنف المبني على النوع الاجتماعي، يمثل تحدياً كبيراً للأسر السودانية، خاصة في ظل الأوضاع الطارئة التي يشهدها البلد”. 

وأوضحت أن الظروف الاقتصادية الصعبة، والنزوح، والضغوط الاجتماعية، تؤثر بشكل مباشر على الأسرة، ما يزيد من حالات التوتر النفسي، والاكتئاب، والصدمات النفسية، وصدمات ما بعد الحرب، بين النساء والأطفال.. وأضافت إن الحرب والنزاعات، أدّت إلى فُقدان الأسر لمصادر دخلها، وانعدام السكن الآمن، والشعور بعدم الأمان، مما انعكس سلباً على الصحة النفسية للأسرة، وتهديد تماسكها الاجتماعي.

وأشارت الدكتورة هيام إلى أن الحياة الطبيعية، والثوابت المجتمعية، من حماية ورعاية وأمان، تختفي في أوقات الحرب، الأمر الذي يجعل الأُسر أكثر هشاشة، أمام التحديات النفسية والاجتماعية… كما لفتت إلى أن الإحصاءات المُتعلِّقة بالعنف الأسري محدودة، إذ نادراً ما تلجأ الأُسر المتضررة، إلى القانون أو المستشفيات، وغالباً ما تبقى الحالات سريّة “خوف الوصمة الاجتماعية”، أو مخافة الانتقام، وأضافت أن العديد من حالات الاعتداء على الفتيات، لا يُكشف عنها، إلا بعد وقوع مأساة صادمة، ما يبرز حجم المشكلة الحقيقية، خلف الأرقام الرسمية.

*الصور من الإنترنيت  

   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى