“خطاب الكراهية “: آفة الحرب التي تهدد السلام في السودان
واجبنا جميعاً بمختلف توجهاتنا وتخصصاتنا، تكثيف الجهود، لتجفيف منابع خطاب الكراهية والعنصرية، من جذورها عبر التوعية ونبذها من خلال التعليم والمناهج الدراسية وتجريمها بالقانون
خطاب الكراهية، لا يُحارب بمجهود فردي، بل بتكافل الجميع… كل مشاركة صغيرة تصنع أثراً كبيراً، وكل موقف صادق يُحدث فرقاً
تقرير: مشاعر رمضان خاص (سودانس ريبورتس) …. 22 أغسطس 2025
عند إطلاق أول طلقة في حرب 15 أبريل 2023، صوبت نحو الموطن السوداني لتخترق أمانه وسلمه، وتفكك أواصر علاقته بأرضه ومجتمعه، ووضعته أمام أكبرالتحديات، ليواجه مخاوفه وهو في أضعف حالته، فتخطفته اللعنات، “الاقتلاع من الجذور، الملاجئ، النزوح، الفقر، وعدم القبول”، ومع اشتداد المعارك تقضي النار علي الأخضر واليابس، وتضع البلاد في مفترق الطرق، من الإنهيار وتفكك المجتمع، بسبب الخطابات العنصرية والجهوية والكراهية والمناطقية … والمجتمع السوداني لديه ورثة مثقلة من نيران الحروب والظلم الاجتماعي .
الملامح والقبيلة :-
ففي ولاية الخرطوم منطقة الخرطوم وسط، وهي المنطقة السكنية الاقرب لمحيط القصر الجمهوري، والمؤسسات الحكومية، وبعد سيطرة مليشيا الدعم السريع، وانتشار أفرادها بالاحياء السكنية، كان البعض منهم يحاول مناقشة شباب هذه الأحياء، وفتح حوارات معهم، حول الديمقراطية ومحاربة “الكيزان” لكن، هذا الأسلوب لم يدم طويلاً، وسرعان ما أطلّت الاسئلة العنصرية يحكي (أ- ب) كُنّا نجلس داخل الحي، مجموعة من الشباب، فأقبلت علينا عربة بها سبعة أفراد مدججين بالسلاح، نزل أحدهم، وأمرنا بالجلوس في أماكننا، بينما كان بقية الأفراد وقوفاً على العربة، وعلى وضع الاستعداد، وبادر قائدهم بتوجيه الاسئلة، لم يسال عن أسماء بل صوب سلاحه قائلاً: ( إنت قبيلتك شنو؟ ثم يتوجه للآخر حتى آخر شاب، وأضاف (أ-ب) كانت إجابة بعض الشباب متلعثمة، خوفاً من ذلك السلاح المُصوّب ناحيتهم، ومن وقع إجابتهم على السائل وأردف: منطقة الخرطوم وسط منطقة شعبية قوامها خليط متوالف من كل بقاع السودان، اندثرت فيه مفاهيم القبلية، والجهوية، ليتم إيقاظها الآن بالبندقية)… وفي المقابل وعلى الطرف الآخر وعند الخروج من الخرطوم، بحثاً عن الأمان بالولايات “الآمنة” تروى قصصاً أُخرى، إذ تقول (ملكة – أ) أرملة وأم لأربعة أبناء – “بعد سيطرة الجيش على ولاية الخرطوم، توجهت وأُسرتي إلى الشمال، وفي كل ارتكاز كانت الاسئلة تلاحقني كالسياط، مع إنزالي وأسرتي دون الآخرين والأُخريات من المركبة، من قِبل أفراد الجيش، بعضهم يسأل ماهي قبيلتك؟، هل زوّجتي بناتك لقوات الدعم السريع، هل كنت متعاونة؟، حيث قضينا أربعة أيّام في نقطة الارتكاز مع التحقيق اليومي …)… وحال ملكة، حال الكثيرين، الذين تعرضوا للتحقيق والتوقيف لا لشئ سوى أن ملامحهم تشير لأحد المناطق.
وفي دارفور تقول (منى): أُخرجت قبيلتنا من أرضها بالقوة، منذ اليوم الأول للمعارك، وبعد سيطرة قوات الدعم السريع، أمرت الجميع بالخروج من المنطقة، وسط إطلاق النيران بكثافة، والسب واللعن بأبشع الكلمات والإهانة والتحقير….).
ومن دارفور، للجزيرة، حيث امتدت الانتهاكات لتشمل مواطني الكنابي، بولاية الجزيرة، من قتلٍ فردي وجماعي، والتعذيب، والاعتداء على النساء، والأطفال، وحرق القرى، والمساكن، والتهجير القسرى، بحسب مؤتمر الكنابى.
هذه هي المشاهد علي الأرض، لكن، امتد أثرها عبر الأسافير والمنصات، فظهرت “المليشيات الاعلامية والالكترونية”، والتي انتشر بها وعبرها، خطاب الكراهية والقبح البغيض، واتسعت الهوة السحيقة على حساب التعايش والتسامح وقبول الآخر، لتحل الفتنة والبغضاء بقوة السلاح.
مزيج معقد
الصحفي عمرو شعبان، أرجع انتشار خطاب الكراهية في السودان لمزيج معقد من العوامل المتجذرة في التاريخ الاجتماعي والسياسي للبلاد، وقال لــ(لسودانس ريبورترس): “يمكن تلخيص الأسباب الرئيسية في الغبن الاجتماعي وغياب العدالة والتميبز المنهجي، إذ يعاني السودان تاريخياً من تمييز منهجي، على أساس العرق، واللون، والدين، والخلفية الإثنية”. وأضاف، تجلّى ذلك، في سياسات الدولة، التي أدت إلى إقصاء مجتمعات معينة، وحرمانها من الموارد والفرص والخدمات الأساسية، كذلك، توزيع الموارد غير العادل، حيث أدى التوزيع غير المتوازن للثروات والأراضي والفرص الاقتصادية، إلى خلق مظالم عميقة بين المجموعات المختلفة، خاصة في المناطق المهمشة مثل دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق”. هذا الغبن يغذي الشعور بالظلم ويجعل المجتمعات عرضة لخطاب الكراهية، الذي يستغل هذه المظاهر، كذلك، إفلات الجناة من العقاب، إذ يلعب غياب المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، والجرائم التي ترتكب ضد المدنيين، دوراً كبيراً في استمرار دائرة العنف وخطاب الكراهية.
وتابع: عندما لا يُواجِه من يُغذُّون الصراع، أو يرتكبون الفظائع العدالة، فإن ذلك يُشجع على تكرار هذه الأفعال ويعمق الانقسامات.
ويرى عمرو أن السياسات الحكومية، للحكومات المتعاقبة، بما في ذلك حكومة البشير،استخدمت سياسات تستهدف تعزيز الانقسامات الإثنية والدينية، كوسيلة للحفاظ على السلطة (فرق تسد). وقد أدت “الأسلمة” و”التعريب” القسري، إلى استبعاد مجموعات غير عربية أو غير مسلمة.
بروز خطاب الكراهية خلال الحرب
وقال عمرو إن أطراف النزاع في السودان (مثل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع) استغلوا خطاب الكراهية، كأداة لتعبئة المقاتلين، وتشويه سمعة الخصوم، من خلال استغلال الصور النمطية الإثنية وتصوير الطرف الآخر، كعدو يستحق الإبادة، فضلاً عن الدعاية والتضليل، إذ تلعب منصات الإعلام الرقمي، ووسائل الإعلام الحكومية في بعض الأحيان، دوراً في نشر المعلومات المضللة، والأخبار الكاذبة، وخطاب الكراهية، لتشكيل الرأي العام، وزيادة الكراهية بين المجتمعات.
كذلك ولازال الحديث لعمرو التعبئة القائمة على الهوية، ففي أوقات النزاع، يميل الأفراد إلى الانتماء إلى هوياتهم الأولية (مثل القبيلة أو المنطقة) للدفاع عن أنفسهم، مما يجعلهم أكثر عرضة للخطاب الذي يستهدف المجموعات الأخرى.و يؤدي هذا إلى تصاعد الهجمات ذات الدوافع العرقية والعنف الجماعي.
وقال إنّ الأخطر هو فراغ المعلومات، إذ يؤدي استهداف الصحفيين، وتدمير البنية التحتية للاتصالات، إلى فراغ معلوماتي حاد، مما يعيق التحقق من الأخبار، ويوفر بيئة خصبة لانتشار الشائعات، وخطاب الكراهية.
الإعلام المسؤول وخطاب الكراهية
ونبّه عمرو إلى أن الإعلام المسؤول يلعب دوراً حيوياً في مواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز السلام والتماسك الاجتماعي، في السودان، وذلك، من خلال التحقق من المعلومات، ومكافحة التضليل الإعلامي، إذ يجب على الإعلاميين التحقق بدقة من المعلومات قبل نشرها، ومكافحة الأخبار الكاذبة والمُضلِّلة، والشائعات التي تغذي الكراهية والانقسام.
واعتبر محدثي تدريب الصحفيين على كيفية تغطية النزاعات بطريقة لا تؤجج التوترات، أو تعزز الصور النمطية السلبية، وقال يتضمن ذلك التركيز على الحلول، وإعطاء صوت لجميع الأطراف (بما في ذلك المهمشين)، وتجنب اللغة التحريضية.
ولفت إلى أهمية عدم التركيز فقط على العنف والانقسامات، وأكد يمكن للإعلام إبراز قصص التماسك الاجتماعي، والتعاون بين المجتمعات المختلفة، وتشجيع الحوار والاحترام المتبادل ( تعزيز السرديات الإيجابية)، مع ضرورة التثقيف والتوعية، من خلال تنظيم حملات توعوية عامة حول مخاطر خطاب الكراهية، وتأثيره المدمر على المجتمع، وتزويد الجمهور بالأدوات اللازمة لتقييم مصداقية المعلومات عبر الإنترنت.
وأكد يمكن للإعلام أن يكون منصة للحوار بين المجتمعات والأطراف المتصارعة، وتسهيل جهود الوساطة وحل النزاعات، والمساءلة، حيث يمكن تسليط الضوء على المسؤولين عن نشر خطاب الكراهية، والتحريض على العنف، والمطالبة بالمساءلة القانونية لهم، بجانب تعزيز محو الأمية الرقمية، فالأولوية تعليم المستخدمين، خاصة الشباب، كيفية التفاعل بمسؤولية مع المحتوى الرقمي، وفهم كيفية عمل خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تضخم المحتوى التحريضي.
وأرجع عمرو خطاب الكراهية في السودان لتراكم طويل من الغبن الاجتماعي وغياب العدالة، واعتبر تفاقمه بشكل كبير خلال الحرب الحالية لاستغلال الأطراف المتحاربة له. ورهن محاربته والتصدي له، عبر الإعلام “المسؤول”، الذي س يلعب دوراً حاسماً في نشر الحقيقة، وتعزيز الوحدة، ومكافحة الانقسام.
خطاب ممنهج وممؤل:
ومن جهته قال الحقوقي والمدافع محمد موسى أحمد – شبكه المدافعين المدنيين ـ أن خطاب الكراهية بعد الحرب، انتشر بشكل مؤسسي، حيث أصبحت المؤسسات، تتبنى الخطاب بشكل رسمي.. وتأسّف لتبني جهات عليا في أطراف الصراع، وخارج أطراف الصراع له، وأضاف في حديثه لـ(سودانس ريبورترس) كان خطاب الكراهية ينتجه – قبل الحرب على المستوى المتوسط – (الموظفون والمثقفون ورجال الدين والإدارات الاهلية) بدرجه متوسطه، أما عند العامه بشكل واسع وكبير وله أطر بنى عليها.
وقال نبع هذا الخطاب من شعور بعض الأطراف بتهديد مصالحهم المباشرة، في الهيمنة على الموارد والسلطة، وأيضاً من ضرورة التخلص من المنافسين، وأشار لوجود بذوركراهية، ولكنها، لن تنمو بدون تغذيتها، بشجع وطمع أطراف الحرب.
ورأى محمد موسى، إن غياب العدالة الاجتماعية، والمشاركة العادلة، خلق غبائن تاريخية، تراكمت، ممّا ساهم في تغذيه خطاب الكراهية، وايضاً، عملت جهات داخلية و خارجية، باستغلال الإعلام لتغذية خطاب الكراهية والعنصرية والتمميز، إضافة لاستغلال هشاشة المجتمعات، لرفع ودفع الاختلافات في المجتمعات، إلى خطاب كراهية ممنهج ومُموّل، بالاضافه إلى عدم مبالاة قادة الدولة، بنمو أو ضمور خطاب الكراهية.
آثار خطاب الكراهية :
الاختصاصي النفسي، عبدالله عبد الحميد، حذّر من الآثار الكارثية لخطاب الكراهية، الواقع على” المستهدفين”، والمتمثلة في الخوف، القلق، الإكتئاب، ضعف الثقة بالنفس، وانخفاض إحترام الذات، والشعور بالوحدة (عدم التقبُّل من المجتمع)، التوتر في العلاقات الإجتماعية، و صعوبة تكوين علاقات إجتماعية جديدة، أو المحافظة على علاقاته وصداقاته القديمة، ولم يستبعد أن يُسبِّب خطاب الكراهية، حالات إنتحارية، وصدمات نفسية، خاصة، إذا كان مصحبوباً بالتهديدات، أو العنف الجسدي، والجنسي، والأسري.
وقال د. عبدالله لـ(سودانس ريبورترس): إنّه خطاب يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر، في تفكيك الروابط الإجتماعية، والأسرية، كحالات الطلاق، والتشرد، وتعاطي المخدرات، ويمهد الطريق للعنف، والعنف المضاد، ويزيد من روح الإنتقام، والعدوانية، بين الأفراد والجماعات، ويُضعف من قيم المحبة، والأخاء، والتسامح، وقبول الآخر، والتعايش السلمي، بين أفراد المجتمع، إذا لم يتم إحتوائه عبر التدخلات النفسية المتخصصة، للتخفيف من حدته أو معالجته.
وأكد الاختصاصي النفسي، أن خطاب الكراهية، يحتاج إلى التوعية المجتمعية، عبر القنوات الاعلامية الرسمية للدولة، وندوات وورش تدريبية مكثفة، للمجتمعات التي ينتشر فيها خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية.
إلى ذلك، قال د. عبد الله، يتطلب مِنّا جميعاً بمختلف توجهاتنا وتخصصاتنا، تكثيف الجهود، لتجفيف منابع خطاب الكراهية والعنصرية، من جذورها، عبر التوعية ونبذها من خلال التعليم والمناهج الدراسية، وتجريمها بالقانون، وإنزال أشدّ العقوبات علي كل من يُمارس أو يُحرِّض علي إنتشار الكراهية، وسط المجتمعات .
وأضاف، إن خطاب الكراهية، لا يُحارب بمجهود فردي، بل بتكافل الجميع. بعيداً عن الفردانية، وشدّد على ضرورة إدراك أن كل مشاركة صغيرة تصنع أثراً كبيراً، وكل موقف صادق يُحدث فرقاً.
*الصور من الإنترنيت
“خطاب الكراهية “: آفة الحرب التي تهدد السلام في السودان
واجبنا جميعاً بمختلف توجهاتنا وتخصصاتنا، تكثيف الجهود، لتجفيف منابع خطاب الكراهية والعنصرية، من جذورها عبر التوعية ونبذها من خلال التعليم والمناهج الدراسية وتجريمها بالقانون
خطاب الكراهية، لا يُحارب بمجهود فردي، بل بتكافل الجميع… كل مشاركة صغيرة تصنع أثراً كبيراً، وكل موقف صادق يُحدث فرقاً
تقرير: مشاعر رمضان خاص (سودانس ريبورتس) …. 22 أغسطس 2025
عند إطلاق أول طلقة في حرب 15 أبريل 2023، صوبت نحو الموطن السوداني لتخترق أمانه وسلمه، وتفكك أواصر علاقته بأرضه ومجتمعه، ووضعته أمام أكبرالتحديات، ليواجه مخاوفه وهو في أضعف حالته، فتخطفته اللعنات، “الاقتلاع من الجذور، الملاجئ، النزوح، الفقر، وعدم القبول”، ومع اشتداد المعارك تقضي النار علي الأخضر واليابس، وتضع البلاد في مفترق الطرق، من الإنهيار وتفكك المجتمع، بسبب الخطابات العنصرية والجهوية والكراهية والمناطقية … والمجتمع السوداني لديه ورثة مثقلة من نيران الحروب والظلم الاجتماعي .
الملامح والقبيلة :-
ففي ولاية الخرطوم منطقة الخرطوم وسط، وهي المنطقة السكنية الاقرب لمحيط القصر الجمهوري، والمؤسسات الحكومية، وبعد سيطرة مليشيا الدعم السريع، وانتشار أفرادها بالاحياء السكنية، كان البعض منهم يحاول مناقشة شباب هذه الأحياء، وفتح حوارات معهم، حول الديمقراطية ومحاربة “الكيزان” لكن، هذا الأسلوب لم يدم طويلاً، وسرعان ما أطلّت الاسئلة العنصرية يحكي (أ- ب) كُنّا نجلس داخل الحي، مجموعة من الشباب، فأقبلت علينا عربة بها سبعة أفراد مدججين بالسلاح، نزل أحدهم، وأمرنا بالجلوس في أماكننا، بينما كان بقية الأفراد وقوفاً على العربة، وعلى وضع الاستعداد، وبادر قائدهم بتوجيه الاسئلة، لم يسال عن أسماء بل صوب سلاحه قائلاً: ( إنت قبيلتك شنو؟ ثم يتوجه للآخر حتى آخر شاب، وأضاف (أ-ب) كانت إجابة بعض الشباب متلعثمة، خوفاً من ذلك السلاح المُصوّب ناحيتهم، ومن وقع إجابتهم على السائل وأردف: منطقة الخرطوم وسط منطقة شعبية قوامها خليط متوالف من كل بقاع السودان، اندثرت فيه مفاهيم القبلية، والجهوية، ليتم إيقاظها الآن بالبندقية)… وفي المقابل وعلى الطرف الآخر وعند الخروج من الخرطوم، بحثاً عن الأمان بالولايات “الآمنة” تروى قصصاً أُخرى، إذ تقول (ملكة – أ) أرملة وأم لأربعة أبناء – “بعد سيطرة الجيش على ولاية الخرطوم، توجهت وأُسرتي إلى الشمال، وفي كل ارتكاز كانت الاسئلة تلاحقني كالسياط، مع إنزالي وأسرتي دون الآخرين والأُخريات من المركبة، من قِبل أفراد الجيش، بعضهم يسأل ماهي قبيلتك؟، هل زوّجتي بناتك لقوات الدعم السريع، هل كنت متعاونة؟، حيث قضينا أربعة أيّام في نقطة الارتكاز مع التحقيق اليومي …)… وحال ملكة، حال الكثيرين، الذين تعرضوا للتحقيق والتوقيف لا لشئ سوى أن ملامحهم تشير لأحد المناطق.
وفي دارفور تقول (منى): أُخرجت قبيلتنا من أرضها بالقوة، منذ اليوم الأول للمعارك، وبعد سيطرة قوات الدعم السريع، أمرت الجميع بالخروج من المنطقة، وسط إطلاق النيران بكثافة، والسب واللعن بأبشع الكلمات والإهانة والتحقير….).
ومن دارفور، للجزيرة، حيث امتدت الانتهاكات لتشمل مواطني الكنابي، بولاية الجزيرة، من قتلٍ فردي وجماعي، والتعذيب، والاعتداء على النساء، والأطفال، وحرق القرى، والمساكن، والتهجير القسرى، بحسب مؤتمر الكنابى.
هذه هي المشاهد علي الأرض، لكن، امتد أثرها عبر الأسافير والمنصات، فظهرت “المليشيات الاعلامية والالكترونية”، والتي انتشر بها وعبرها، خطاب الكراهية والقبح البغيض، واتسعت الهوة السحيقة على حساب التعايش والتسامح وقبول الآخر، لتحل الفتنة والبغضاء بقوة السلاح.
مزيج معقد
الصحفي عمرو شعبان، أرجع انتشار خطاب الكراهية في السودان لمزيج معقد من العوامل المتجذرة في التاريخ الاجتماعي والسياسي للبلاد، وقال لــ(لسودانس ريبورترس): “يمكن تلخيص الأسباب الرئيسية في الغبن الاجتماعي وغياب العدالة والتميبز المنهجي، إذ يعاني السودان تاريخياً من تمييز منهجي، على أساس العرق، واللون، والدين، والخلفية الإثنية”. وأضاف، تجلّى ذلك، في سياسات الدولة، التي أدت إلى إقصاء مجتمعات معينة، وحرمانها من الموارد والفرص والخدمات الأساسية، كذلك، توزيع الموارد غير العادل، حيث أدى التوزيع غير المتوازن للثروات والأراضي والفرص الاقتصادية، إلى خلق مظالم عميقة بين المجموعات المختلفة، خاصة في المناطق المهمشة مثل دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق”. هذا الغبن يغذي الشعور بالظلم ويجعل المجتمعات عرضة لخطاب الكراهية، الذي يستغل هذه المظاهر، كذلك، إفلات الجناة من العقاب، إذ يلعب غياب المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، والجرائم التي ترتكب ضد المدنيين، دوراً كبيراً في استمرار دائرة العنف وخطاب الكراهية.
وتابع: عندما لا يُواجِه من يُغذُّون الصراع، أو يرتكبون الفظائع العدالة، فإن ذلك يُشجع على تكرار هذه الأفعال ويعمق الانقسامات.
ويرى عمرو أن السياسات الحكومية، للحكومات المتعاقبة، بما في ذلك حكومة البشير،استخدمت سياسات تستهدف تعزيز الانقسامات الإثنية والدينية، كوسيلة للحفاظ على السلطة (فرق تسد). وقد أدت “الأسلمة” و”التعريب” القسري، إلى استبعاد مجموعات غير عربية أو غير مسلمة.
بروز خطاب الكراهية خلال الحرب
وقال عمرو إن أطراف النزاع في السودان (مثل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع) استغلوا خطاب الكراهية، كأداة لتعبئة المقاتلين، وتشويه سمعة الخصوم، من خلال استغلال الصور النمطية الإثنية وتصوير الطرف الآخر، كعدو يستحق الإبادة، فضلاً عن الدعاية والتضليل، إذ تلعب منصات الإعلام الرقمي، ووسائل الإعلام الحكومية في بعض الأحيان، دوراً في نشر المعلومات المضللة، والأخبار الكاذبة، وخطاب الكراهية، لتشكيل الرأي العام، وزيادة الكراهية بين المجتمعات.
كذلك ولازال الحديث لعمرو التعبئة القائمة على الهوية، ففي أوقات النزاع، يميل الأفراد إلى الانتماء إلى هوياتهم الأولية (مثل القبيلة أو المنطقة) للدفاع عن أنفسهم، مما يجعلهم أكثر عرضة للخطاب الذي يستهدف المجموعات الأخرى.و يؤدي هذا إلى تصاعد الهجمات ذات الدوافع العرقية والعنف الجماعي.
وقال إنّ الأخطر هو فراغ المعلومات، إذ يؤدي استهداف الصحفيين، وتدمير البنية التحتية للاتصالات، إلى فراغ معلوماتي حاد، مما يعيق التحقق من الأخبار، ويوفر بيئة خصبة لانتشار الشائعات، وخطاب الكراهية.
الإعلام المسؤول وخطاب الكراهية
ونبّه عمرو إلى أن الإعلام المسؤول يلعب دوراً حيوياً في مواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز السلام والتماسك الاجتماعي، في السودان، وذلك، من خلال التحقق من المعلومات، ومكافحة التضليل الإعلامي، إذ يجب على الإعلاميين التحقق بدقة من المعلومات قبل نشرها، ومكافحة الأخبار الكاذبة والمُضلِّلة، والشائعات التي تغذي الكراهية والانقسام.
واعتبر محدثي تدريب الصحفيين على كيفية تغطية النزاعات بطريقة لا تؤجج التوترات، أو تعزز الصور النمطية السلبية، وقال يتضمن ذلك التركيز على الحلول، وإعطاء صوت لجميع الأطراف (بما في ذلك المهمشين)، وتجنب اللغة التحريضية.
ولفت إلى أهمية عدم التركيز فقط على العنف والانقسامات، وأكد يمكن للإعلام إبراز قصص التماسك الاجتماعي، والتعاون بين المجتمعات المختلفة، وتشجيع الحوار والاحترام المتبادل ( تعزيز السرديات الإيجابية)، مع ضرورة التثقيف والتوعية، من خلال تنظيم حملات توعوية عامة حول مخاطر خطاب الكراهية، وتأثيره المدمر على المجتمع، وتزويد الجمهور بالأدوات اللازمة لتقييم مصداقية المعلومات عبر الإنترنت.
وأكد يمكن للإعلام أن يكون منصة للحوار بين المجتمعات والأطراف المتصارعة، وتسهيل جهود الوساطة وحل النزاعات، والمساءلة، حيث يمكن تسليط الضوء على المسؤولين عن نشر خطاب الكراهية، والتحريض على العنف، والمطالبة بالمساءلة القانونية لهم، بجانب تعزيز محو الأمية الرقمية، فالأولوية تعليم المستخدمين، خاصة الشباب، كيفية التفاعل بمسؤولية مع المحتوى الرقمي، وفهم كيفية عمل خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تضخم المحتوى التحريضي.
وأرجع عمرو خطاب الكراهية في السودان لتراكم طويل من الغبن الاجتماعي وغياب العدالة، واعتبر تفاقمه بشكل كبير خلال الحرب الحالية لاستغلال الأطراف المتحاربة له. ورهن محاربته والتصدي له، عبر الإعلام “المسؤول”، الذي س يلعب دوراً حاسماً في نشر الحقيقة، وتعزيز الوحدة، ومكافحة الانقسام.
خطاب ممنهج وممؤل:
ومن جهته قال الحقوقي والمدافع محمد موسى أحمد – شبكه المدافعين المدنيين ـ أن خطاب الكراهية بعد الحرب، انتشر بشكل مؤسسي، حيث أصبحت المؤسسات، تتبنى الخطاب بشكل رسمي.. وتأسّف لتبني جهات عليا في أطراف الصراع، وخارج أطراف الصراع له، وأضاف في حديثه لـ(سودانس ريبورترس) كان خطاب الكراهية ينتجه – قبل الحرب على المستوى المتوسط – (الموظفون والمثقفون ورجال الدين والإدارات الاهلية) بدرجه متوسطه، أما عند العامه بشكل واسع وكبير وله أطر بنى عليها.
وقال نبع هذا الخطاب من شعور بعض الأطراف بتهديد مصالحهم المباشرة، في الهيمنة على الموارد والسلطة، وأيضاً من ضرورة التخلص من المنافسين، وأشار لوجود بذوركراهية، ولكنها، لن تنمو بدون تغذيتها، بشجع وطمع أطراف الحرب.
ورأى محمد موسى، إن غياب العدالة الاجتماعية، والمشاركة العادلة، خلق غبائن تاريخية، تراكمت، ممّا ساهم في تغذيه خطاب الكراهية، وايضاً، عملت جهات داخلية و خارجية، باستغلال الإعلام لتغذية خطاب الكراهية والعنصرية والتمميز، إضافة لاستغلال هشاشة المجتمعات، لرفع ودفع الاختلافات في المجتمعات، إلى خطاب كراهية ممنهج ومُموّل، بالاضافه إلى عدم مبالاة قادة الدولة، بنمو أو ضمور خطاب الكراهية.
آثار خطاب الكراهية :
الاختصاصي النفسي، عبدالله عبد الحميد، حذّر من الآثار الكارثية لخطاب الكراهية، الواقع على” المستهدفين”، والمتمثلة في الخوف، القلق، الإكتئاب، ضعف الثقة بالنفس، وانخفاض إحترام الذات، والشعور بالوحدة (عدم التقبُّل من المجتمع)، التوتر في العلاقات الإجتماعية، و صعوبة تكوين علاقات إجتماعية جديدة، أو المحافظة على علاقاته وصداقاته القديمة، ولم يستبعد أن يُسبِّب خطاب الكراهية، حالات إنتحارية، وصدمات نفسية، خاصة، إذا كان مصحبوباً بالتهديدات، أو العنف الجسدي، والجنسي، والأسري.
وقال د. عبدالله لـ(سودانس ريبورترس): إنّه خطاب يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر، في تفكيك الروابط الإجتماعية، والأسرية، كحالات الطلاق، والتشرد، وتعاطي المخدرات، ويمهد الطريق للعنف، والعنف المضاد، ويزيد من روح الإنتقام، والعدوانية، بين الأفراد والجماعات، ويُضعف من قيم المحبة، والأخاء، والتسامح، وقبول الآخر، والتعايش السلمي، بين أفراد المجتمع، إذا لم يتم إحتوائه عبر التدخلات النفسية المتخصصة، للتخفيف من حدته أو معالجته.
وأكد الاختصاصي النفسي، أن خطاب الكراهية، يحتاج إلى التوعية المجتمعية، عبر القنوات الاعلامية الرسمية للدولة، وندوات وورش تدريبية مكثفة، للمجتمعات التي ينتشر فيها خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية.
إلى ذلك، قال د. عبد الله، يتطلب مِنّا جميعاً بمختلف توجهاتنا وتخصصاتنا، تكثيف الجهود، لتجفيف منابع خطاب الكراهية والعنصرية، من جذورها، عبر التوعية ونبذها من خلال التعليم والمناهج الدراسية، وتجريمها بالقانون، وإنزال أشدّ العقوبات علي كل من يُمارس أو يُحرِّض علي إنتشار الكراهية، وسط المجتمعات .
وأضاف، إن خطاب الكراهية، لا يُحارب بمجهود فردي، بل بتكافل الجميع. بعيداً عن الفردانية، وشدّد على ضرورة إدراك أن كل مشاركة صغيرة تصنع أثراً كبيراً، وكل موقف صادق يُحدث فرقاً.
*الصور من أوشا والإنترنيت




