الحرب ضد المستقبل: أكثر من (17) مليون تلميذ توقفوا عن الدراسة، و(500) ألف معلم عاطلون عن العمل
حين تصمت أصوات البنادق سنكتشف أننا أهدرنا ملايين الأنفس البريئة والفرص النادرة وأضعنا مستقبل أطفالنا فى حرب عبثية “لا ناقة لهم فيها ولا جمل”!.
تقرير: ماجد القوني لـ(سودانس ريبورترس) … 22 أغسطس 2025
عامان من الحرب، وملايين الأطفال خارج غرف الدراسة، وآلاف المعلمين يجوبون معسكرات اللجوء والنزوح بحثا عن الأمن والاستقرار، المدارس تحولت إلى مساكن للنازحين أو ثكنات عسكرية، وأخرى تم نهبها بالكامل، وتلف كامل أصاب المخزون من الكتب والأدوات التعليمية، وضياع وثائق وأرشيف آلاف المدارس والمؤسسات التعليمية … تقارير تشير إلى أن حوالي 17 مليون تلميذ وتلميذة توقفوا عن الدراسة، وخروج أكثر من 500 ألف معلم ومعلمة من مناطقهم، نازحين داخل حدود الوطن، ولاجئين في دول الجوار، ودمار أكثر من ألفي مدرسة بمناطق النزاع… وبالرغم من المحاولات التي يقوم بها طرفا الحرب لإنقاذ العملية التربوية، إلا أن الواقع يشير إلى أن الحرب أنهكت جسد مؤسسات التربية والتعليم، وأن الخراب الذي تعيشه قد يعيق أجيال قادمة.
هجرات واسعة للطلاب والمعلمين، بسبب الحرب حيث توجه العديد منهم إلى دول مجاورة مثل مصر، جنوب السودان، أوغندا وأفريقيا الوسطى، وتشاد … مشاكل عديدة تواجه الطلاب في دول اللجوء، ابتداء من اللغة ومواكبة المناهج الدراسية، مع قلة المدارس السودانية، بينما يعاني آخرون من صعوبة في استكمال دراستهم أو الحصول على شهاداتهم التي تحدّد مؤهلاتهم الاكاديمية.
مدير مدرسة الفتح بجنوب الخرطوم أشار إلى أن 80% من المدارس أصبحت غير صالحة لمواصلة العملية التعليمية، ومعظمها تحولت لثكنات عسكرية ودُور إيواء أو تعرضت للنهب، إضافة لتوقف مرتبات الٱلاف من المعلمين وتدهور أوضاعهم المعيشية، بسبب عدم وجود مواعين لاستيعابهم في دول اللجوء.
اختصاصية الصحة النفسية ندى سيف الدين، أبدت تخوفها من الآثار المترتبة على الأوضاع التي يعيشها الأطفال في دول اللجوء، أو معسكرات النزوح، بسبب عدم انتظام العملية التربوية، وتوقف الدراسة، والتي قد ينتج عنها مشاكل نفسية للأطفال، مثل القلق والاكتئاب والعزلة. وقد يلجأ الأطفال الذين توقفت دراستهم إلى أعمال غير مشروعة أو العنف. قد يكون من الصعب استعادة العملية التعليمية بعد توقفها لفترة طويلة، خاصة في ظل استمرار الحرب… ومضت تقول: “إيقاف الحرب هو الخطوة الأساسية لاستعادة التعليم في السودان، مع توفير الموارد اللازمة لدعم العملية التعليمية، بما في ذلك رواتب المعلمين وتأمين المدارس وتوفير الكتب والمستلزمات الدراسية، يجب توفير الدعم النفسي للأطفال المتضررين من الحرب لمساعدتهم على التغلب على صدمات الحرب. يجب إعادة تأهيل المدارس التي تضررت أو دمرت بسبب الحرب”.
في ذات الأتجاه مضت ندوة (نساء ضد الظلم) والتي تناولت أوضاع التعليم، وأثر الحرب على العملية التعليمية في السودان. وأشارت المعلمة خالدة صابر إلى التحديات التى تواجه الطلاب السودانيين فى بلاد اللجوء، ونبّهت إلى وجود مشكلات أساسية تواجه الطلاب فى أوغندا، منها اللغة بالنسبة للطلاب الأكبر سناً، حيث يتم إرجاع الطالب إلى عدة فصول “للوراء”، مما يؤثر على حالته النفسية، خاصة عندما يدرس مع طلاب أصغر سناً… وتضيف: “الانقطاع الطويل عن التعليم، تسبب فى تجنيد الطلاب الأكبر عمراً من طرفى النزاع، بينما تعرضت الطالبات للزواج القسري لحمايتهن من المقاتلين”.
المئات من المعلمين اتجهوا لممارسة المهن الهامشية في الأسواق بعد توقف مرتباتهم، (م. ن) معلم فضل حجب اسمه، قال: سوق (٦) بالحاج يوسف من أكبر الأسواق التي يوجد بها معلمون، بعد توقف مرتباتهم، ووجودهم في مناطق الصراع، اتجهوا لممارسة بعض الأعمال مثل بيع العصائر، وحمل الأثقال “العِتالة”، مضيفاً بأسف: أكثر من 250 ألف معلم ومعلمة، لم يصرفوا رواتبهم رغم استمرار صرف المرتبات فى ولايتى الشمالية والبحر الأحمر.
في ذات الاتجاه قال المتحدث الرسمى باسم لجنة المعلمين السودانيين سامى الباقر خلال مخاطبته الندوة أن المشكلة الأساسية فى تأثير الحرب على العملية التعليمية تتمثل فى عقد امتحانات الشهادة السودانية بمناطق محددة. وأشار إلى أن ذلك عمّق الانقسام فى المجتمع السوداني، موضحاً أن ميليشيا الدعم السريع حاولت إفشالها بمنع الطلاب من الذهاب إلى المدن، التى تعقد فيها الامتحانات.. وطالب بضرورة حماية الطلاب في الامتحانات القادمة، ومنع الاعتداء على المدارس، لأنّ استهداف المدارس عسكرياً، يُعتبر جريمة حرب… ودعا الباقر إلى وضع رؤية تعليمية بمشاركة كل الجهات تستند إلى تجارب الدول التى اندلعت فيها حروب سابقة.
قبل أشهر بدأ الحديث حول اعتزام الوزارة الترتيب لعقد امتحان الشهادة السودانية لدفعتي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، وقتها رفض عدد من المعلمين المقترح، بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية، لكن مضى القرار، وسعت حكومة (بورتسودان) إلى إجبار طلاب الولايات الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، مثل كردفان، دارفور، الجزيرة، الخرطوم وأجزاء كبيرة من النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق، على السفر إلى ولايات البحر الأحمر والشمالية لأداء الامتحانات، حيث يرى مراقبون أن هذه الخطوة لم تكن سوى محاولة لتفريغ هذه المناطق من طلابها، وتحويل مسار الشهادة الثانوية إلى أداة تعكس انحيازات جهوية وقبلية، متجاهلةً حق الطلاب في أداء امتحاناتهم في بيئة آمنة ومحايدة.
هل يبدو الوضع آمنا في الولايات تحت سيطرة الجيش على الطلاب؟ قضية اعتقال طالب من ولاية غرب كردفان في ولاية نهر النيل، أثارت كثير من المخاوف لدى أولياء أمور في حال خروجهم من الولايات التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع إلى الولايات التي تعيش استقراراً نسبياً في المؤسسات التعليمية، خوفا من التوقيف والعقوبات التي تصل لحد الإعدام، الواقعة أثبتت كيف تُستغل الانتماءات القبلية والجهوية كذريعة للاضطهاد والاعتقال.
عبد الرحمن السنوسي (معلم) أكد أنه في ظل هذه الظروف، رفض حكومات الولايات الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع سفر طلابها إلى ولايات أخرى لأداء الامتحانات موقفاً مبرراً.. هذا الرفض ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دفاع عن حق الطلاب في التعليم بعيداً عن الابتزاز السياسي والتصنيفات الجهوية… واصرار حكومة الأمر الواقع على هذا النهج يهدد فكرة قومية الامتحانات ويفرغها من مضمونها الأكاديمي، مضيفا: إقحام قضايا التعليم في العمليات السياسية والحربية، مؤشر لدمار المستقبل، وتفضيل أبناء مناطق على أخرى، وبالنظر للآلاف من الأبناء والبنات الموجودين في مناطق سيطرة الدعم السريع، فإنّهم يعتبرون محرومون من الجلوس للامتحان، وبالتالي تدمير مستقبلهم بسبب الحرب والصراعات القبلية والجهوية.
الخبير التربوي د. نورالدين عثمان ذهب إلى أن التوقيت غير مناسب للحديث عن استقرار العملية التربوية والتعليمية، لعدم توفر الظروف المناسبة، وسط قصف الطيران والمدافع والرصاص، هذه ليست بيئة ملائمة ليجلس الطلاب وحولهم الموت والدمار والنزوح، والإجراءات التي اتبعتها الحكومة في عقدها لامتحان الشهادة فيه جانب من التعسف بإجبار التلاميذ للسفر ولايات أخرى للجلوس للامتحانات، ولم يسمح أولياء أمور كثيرين بسفر أبنائهم لولايات أخرى تهددها المسيرات أو الاعتقالات، أو التمييز الجهوي والقبلي. وأضاف عثمان: بعد أن تصمت أصوات البنادق، سنكتشف أننا أهدرنا ملايين الأنفس البريئة والفرص النادرة، وأضعنا مستقبل أطفالنا فى حرب عبثية “لا ناقة لهم فيها ولا جمل”. !.
*الصور من الإنترنيت




