“الألم المزدوج”: الفتيات في مناطق الحرب يتعرضن للتشويه والعنف
رغم أن خطر تزايد معدلات ممارسة بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث كبير، يمكن مواجهته بالتوعية على كافة المستويات
تقرير: مشاعر رمضان خاص (سودانس ريبورترس) … 22 أغسطس 2025
تخوفت مبادرات نسوية ومجتمعية من تزايُد معدلات ممارسة بتر وتشوية الأعضاء التناسلية للطفلات في السودان، لا سيما مع اندلاع الحرب وغياب الجهات المسئؤلة عن تفعيل آليات الرقابة والمتابعة وتطبيق القوانين بالبلاد، مع حالة النزوح من المدن للقرى والأرياف والتخندق وسط مجتمعات تعزز وتحمي عادة بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث.
على الرغم من المجهودات والانشطة التي اتبعتها المنطمات المعنية بحماية الطفولة، والدولة نفسها، والتي عملت على بث الوعي للقضاء على هذه العادة، والتي تكللت بوضع آليات وتدابير وقوانين تُجرِّم عادة بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للطفلات، إلا أنها اصطدمت بالحرب ، والتي خلقت حماية مجتمعية لهذه العادة الضارة، تارة بمفهوم حماية الصغيرات من الاغتصاب، وتارة تطبيقاً للعادات والممارسات الاجتماعية البالية، المنتهكة لحقوق الصغيرات، لتبقى مثل هذه الأعمال خارج نطاق الرقابة والمحاسبة.
كوادر صحية في منتصف الأزمة
لم تكن ممارسة عملية بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للاناث جريمة تقوم بها الأُسر منفردة بل تتفرق دماء هذا الانتهاك وصولاً لبعض الكوادر الصحية والطبيبات وسط صمت مطبق على المجتمعات.
وفي ذات الاتجاه أوضحت القابلة ( سمية -أ) – والتي تعمل بولاية نهر النيل – لـ(سودانس ريبورترس) أن عملية بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث تجري بعمعدلات متزايدة لعدد كبير من الفتيات، بعد الحرب، بعلم المجتمعات والأُسر بالمنطقة، والذين يبررون لهذه الممارسة بحماية الفتيات من الاغتصاب “.
وأضافت: “قبل الحرب كانت هنالك تدابير وآليات تُجرّم هذه العادة، بل قانون، وميثاق شرف للقابلات، بالالتزام بعدم ممارسة بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، لكن، مع قيام الحرب وحالة الفوضي التي ضربت البلاد، تزايدت معدّلات ممارسة البتر والتشويه، في المجتمعات الريفية، والقري، خاصة التي استقبلت عدد كبيراً من النازحين والنازحات من الخرطوم، وولاية الجزيرة، وسنار، ودارفور”.
وأوضحت سمية “أن عملية بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث تتسبب في أضرار آنية ولاحقة، من بينها تعثُّر الطمث، والآثار النفسية، مثل تخوُّف الفتاة من الزواج، والممارسة الجنسية، نظراً إلى وجود آلام دائمة، وكذلك تتسبّب فى الإجهاض المتكرر، والتأخر في الإنجاب، والالتهابات الحادة، في عنق الرحم، نتيجة الجراحة خلال عمليات الولادة، وحالات وفيات الأمهات “.
أرقام واحصائيات
وبحسب إحصاءات المسح الصحي لوزارة الصحة لعملية بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث في العام 2014، فإن نسبة الختان بين الفتيات “ما دون سن الـ14” (31.5%)، أما النسبة الكلية لعملية البتر والتشويه بين نساء السودان بلغت (87%).
واحتلت ولاية شمال كردفان أعلى مرتبة في الممارسة، إذ بلغت نسبة الانتشار نحو(98%)، تليها ولاية نهر النيل (96.4%)، وسجلت ولاية وسط دارفور، أقل نسبة انتشار، إذ بلغت (45.4%) لكن، مع غياب القوانين واللوائح المنظمة، والمراقبة، تظل هذه الاحصائيات قديمة، ولا توضح حجم الممارسة.
السياسات والتشريعات
وفي ورقة تجريم بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للأُنثى، أوضحت د.أُميمة عبد التام ، أن محاولات وضع التشريعات لمحاربة ختان الإناث في السودان بدأت منذ عام 1924، واستمرت المحاولات حتى وصلت البلاد إلى نظام الحكم اللامركزي، الذي أقره دستور عام 2005، بعد اتفاق السلام الشامل الموقع بين حكومة السودان و”الحركة الشعبية لتحرير السودان”، الذي يخول للولايات سلطة إصدار وتشريع دساتيرها، وكثير من القوانين على المستوى الولائي، وشجعت الخطوة كثيراً من الأقاليم على سن تشريعات تحت مسميات مختلفة، لمنع تشويه الأعضاء التناسلية للإناث.
وتابعت: “في يوليو2020م، أعلنت وزارة العدل السودانية، قانوناً يُجرِّم ختان الإناث في مدن البلاد كافة. وتصل عقوبة ختان الإناث لمن يرتكبه، إلى ثلاث سنوات سجناً مع دفع الغرامة، وفق التعديل الذي أقره مجلس الوزراء السوداني، في القانون الجنائي – شهر مايو – وتضم العقوبة تحديداً الشخص الذي يجري عملية الختان، حتى ولو كان طبيباً”.
وورد في نص المادة المعدلة “يعد مرتكباً جريمة كل من يقوم بإزالة أو تشويه العضو التناسلي للأنثى، مما يؤدي إلى ذهاب وظيفته كلياً أو جزئياً سواء كان داخل أي مستشفى، أو مركز صحي، أو مستوصف، أو عيادة، أو غيرها من الأماكن، ويُعاقب من يرتكب الجريمة بالسجن مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات وبالغرامة”.
اضطرابات نفسية
الاختصاصية النفسية أماني الحسين، نبهت في تصريحات صحفية سابقة إلى أن “كثيراً من الفتيات اللائي تعرضن لهذه الممارسة، يفقدن الثقة في أقرب الأقربين لهن، سواء كان الأم، أو الجدة، علاوة على الاضطرابات النفسية التي تحدث للطفلات، بعد ارتكاب ذلك الخطأ، وزرع الخوف داخل العقل الباطني لديهن، الذي يسبب أحياناً حالات من الاكتئاب والقلق والإحباط، الذي يقود إلى الانتحار في بعض الأحيان”.
وأرجعت أماني الحسين انتشار ظاهرة ختان الإناث إلى عدم وعي المجتمع، والضغوط التي تتعرض لها الأُسر، وسيادة المفاهيم الخاطئة ،عن العفة والطهارة والحماية من الاغتصاب.
ولفتت الاختصاصية النفسية إلى “الآثار السالبة التي تتعرض لها المرأة منذ الصغر وحتى الشيخوخة، حال إجراء عملية بتر وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية التي تجريها في الغالب القابلات، لتتحول إلى جريمة، وعنف ضد النساء والصغيرات”.
إفرزات الحرب زادت من عملية البتر والتشويه
أكدت منسقة مبادرة سليمة، تهاني سعدان لـ(سودانس ريبورترس) زيادة معدلات ممارسة عملية بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، بسبب فقدان التواصل مع الجهات المنوط بها حماية الطفلات أثناء الحرب، ولفتت إلى تخندق الأُسر النازحة من مناطق الصراع، إلى المناطق الآمنة في القري والأرياف، متخذة من هذه البئيات المغلقة، حماية مجتمعية لممارسة عملية البتر والتشويه. وأشارت تهاني سعدان إلى أن هنالك من قام بهذه العملية خوفاً من عمليات الاغتصاب من قبل قوات الدعم السريع، وهو مفهوم من إفرازات الحرب .. وقالت “مع غياب آليات المتابعة والمراقبة، وغياب الاجسام والمنظمات التي كانت تعمل بالتوعية وسط المجتمعات، والتي انسحبت بسبب الصراع المسلّح، الي خارج السودان، والغالبية الموجودة بالداخل، تعذر عليها العمل نسبة لأنّ مناطق كثيرة من السودان صارت مناطق مقفولة، ويصعب الوصول اليها بسبب الحرب.
شبكات للحماية
قالت تهاني سعدان “واحدة من الآليات التي قامت بها منظمات المجتمع المدني والمنظمات العالمية والحكومة ممثلة في (مجلس رعاية الطفولة والاسرة والطفل الرعاية الاجتماعية) هي شبكات الحماية، والتي تكونت داخل معسكرات الإيواء كآلية للمراقبة، والمتابعة للأطفال وأُسرهم، فيما يخص حماية الأطفال عموماً وجزء منها حماية الطفلات من عملية البتر والتشويه. أيضاً معرفة الأُسر والمجتمعات التي تحتاج للتوعية، والرصد والتبليغ، عن حالات الممارسة، و التدخل السريع لتوعية الأُسر، وإلزامهم بكتابة تعهد بعدم ممارسة عادة بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث.. ولفتت إلى أن شبكات الحماية ساعدت في التوعية والإبلاغ عن حالات الممارسة، لكن، الخطر مازال قائماً نسبة لعمليات النزوح الكبيرة في القرى، إذ يحظي الجميع هنالك بحماية مجتمعية .
بوادر استجابة
وعن واقع المجتمعات أثناء الحرب، وبعد هدوء الأوضاع ببعض المناطق، أوضحت تهاني سعدان “هنالك استجابة من المجتمع نفسه، بعد هدوء الأوضاع، وتوقف هجمات قوات الدعم السريع، إذ توقف الإحساس بعدم الأمان على الطفلات، خوفاً من الاغتصاب، فضلاً عن إدماج برامج التوعية، بمخاطر بتر وتشوية الأعضاء التناسلية للإناث في كافة الأنشطة الأخرى، والبرامج ( العنف ، التعليم ، القضايا الاجتماعية ) واستدركت، قائلة: “وفي ولاية كسلا تم تدريب مجموعة من منظمات المجتمع المدني والشباب، بمراكز الإيواء، بشبكات الحماية ومتطوعيين فضلاً عن تدريب رجال الدين، على ضرورة ترك الطفلات سليمات، والمحافظة عليهن، أيضاً بولاية نهر النيل، والقضارف، وسنارن والشمالية، يجري – الآن – عمل ورش تدريبية ومجموعات نقاش، للحد من ممارسة بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث… وأضافت “ولإعمال آليات المراقبة، والمتابعة، داخل المجتمعات، لتخفيف آثار الردة، التي حدثت أثناء الحرب، بارتفاع معدلات ممارسة البتر والتشويه، بعد الوصول لمراحل متقدمة من التجريم بالقانون المادة 141 والتبليغ، عدنا للمربع الاول” . وتابعت ” لكن من التحديات الماثلة هنالك تخوف كبير من التبليغ وسط المجتمعات، رغم أن التبليغ يكون بسرية تامة، باعتباره حق عام، ووضع القانون للمحافظة على البنات، وليس لتجريم أحد.
و رغم أن الخطر كبير مع تدهور الأوضاع الصحية، وبنيات المؤسسات، إلّا أن منسقة مبادرة سليمة تهاني سعدان، أكدت امكانية تجاوز الخطر والوصول لبر أمان حماية الطفلات بقولها “رغم أن خطر تزايد معدلات ممارسة بتر وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث كبير، يمكن مواجهته بالتوعية على كافة المستويات، المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات العاملة في مجال حماية الأطفال والطفلات، والشركاء لترجيح كفة الحماية وضمان عدم العودة للمارسة”.
*الصور من الإنترنيت




