قطاع الاتصالات بالسودان يهوى في «سقوط حر» … خسائر تتجاوز المليار دولار في عام واحد
الأبراج التي كانت تملأ الأفق إشارات وحياة، تحوّلت إلى أعمدة صامتة تتآكلها الرياح
تقرير – حسيبة سليمان خاص (سودانس ريبورترس) … 19 أغسطس 2025
لم يعد قطاع الاتصالات في السودان يقف على حافة الانهيار، بل انزلق بالفعل إلى ما يشبه “السقوط الحر”، وسط دمار واسع للبنية التحتية، وتراجع حاد في الخدمات، بفعل الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023.
الأبراج التي كانت تملأ الأفق إشارات وحياة، تحوّلت إلى أعمدة صامتة تتآكلها الرياح، فيما أُطفئت شاشات المحطات المركزية، وتعرضت المولدات للنهب، والمحولات للتخريب، حتى انقطعت أصوات المدن عن بعضها البعض.
ومع استمرار انقطاع الشبكات، انزلقت مناطق واسعة إلى عزلة خانقة، لا يصلها أيّ اتصال، إلا عبر إشارات محدودة من الأقمار الصناعية، كأنها رسائل من عالم آخر. هذا الصمت، الذي يزداد ثقلاً يوماً بعد آخر، يوازيه اختفاء مزيد من الناس في ظلام بلا شهود، وانتشار الشائعات وخطابات الكراهية، وارتكاب انتهاكات بعيداً عن أعين الإعلام.
أرقام «صادمة» للخسائر
ووفقاً لبيانات مؤسسة «توب في بي إن» لأبحاث شبكات الإنترنت، بلغت خسائر مشغلي خدمات الاتصالات في السودان خلال عام 2024 نحو 1.2 مليار دولار، بسبب انقطاع الخدمة لأكثر من 13 ألف ساعة. وتشكل هذه الخسائر نحو 85 في المئة من إجمالي خسائر القارة الأفريقية المقدرة بـ1.5 مليار دولار، وحوالي 20 في المئة من إجمالي الخسائر العالمية البالغة 7.7 مليار دولار.
كما تقدر الخسائر المباشرة في البنية التحتية للاتصالات ما بين 180 و200 مليار دولار، بينما تتجاوز الخسائر غير المباشرة 500 مليار دولار، أي نحو 13 ضعف الناتج المحلي السنوي للسودان البالغ متوسطه 36 مليار دولار.
نزوح واسع … وانهيار في الطلب
الحرب دفعت أكثر من نصف المشتركين، البالغ عددهم نحو 30 مليوناً من أصل 48 مليون نسمة، إلى فقدان الخدمة. كما تسببت في نزوح أكثر من 16 مليون شخص، بينهم 12 مليوناً داخل البلاد و4 ملايين عبروا الحدود، بحسب بيانات منظمة الهجرة الدولية.
انقطاع الكهرباء عن أكثر من 70 في المئة من مناطق البلاد حدّ من قدرة السكان على شحن هواتفهم، وأدى إلى تراجع ساعات الاتصال بالإنترنت. ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، تراجعت القدرة الشرائية للمواطنين في ظل انهيار الجنيه السوداني بأكثر من 450 في المئة، فيما تصدر الإنفاق على الغذاء والصحة الأولويات، مع مواجهة نحو 26.6 مليون شخص أزمة انعدام أمن غذائي حادة، وانخفاض القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية لأقل من 18 في المئة من السكان.
طالبة سودانية تتحدى الحرب والانقطاع لتحافظ على حلم التخرج
قالت الطالبة هبة نزار، في تصريحات لــ(سودانس ريبورترس)، إن انقطاع خدمة الإنترنت خلال الحرب كان أصعب مرحلة في حياتها، حيث ارتبط مستقبلها الأكاديمي بخدمة «الاستارلينك» التي كانت تحت سيطرة قوات «الدعم السريع»، الأمر الذي جعل الوصول إليها محفوفاً بالمخاطر.
وأوضحت نزار: “كنت أضطر للذهاب إلى موقع الاستارلينك لمواصلة دراستي، رغم الخوف الذي كان يرافقني في كل خطوة، لأنه لم يكن هناك خيار آخر”… وأشارت إلى أنها واجهت مواقف قاسية، منها يوم امتحان لم تتمكن من أدائه بعد أن قام أفراد «الدعم السريع» بمصادرة الجهاز، ما اضطرها إلى دخول ملحق دراسي.
وأضافت أن الخدمة، حتى بعد عودتها، كانت ضعيفة للغاية، ما أجبرها على التوجه إلى شاطئ البحر – تقصد النهر – لحضور المحاضرات، رغم خطورة الطريق، ووجود متفلِّتين. ومع بدء الدراسة عبر الإنترنت، زادت الصعوبات، إذ كانت إدارة الخدمة تمنح كل شخص نصف ساعة فقط من الاتصال، وهي مدة لم تكن تكفي لتنزيل المحاضرات، ما اضطرها إلى تكرار الزيارة عدة مرات في اليوم.
وذكرت هبة نزار أنه عند صدور جداول الامتحانات، كان زمن كل امتحان ساعة، بينما كانت حصتها من الاتصال نصف ساعة فقط، وهو ما تسبب في رسوبها في امتحان آخر، ودفع رسوم إضافية. وتابعت: “اضطررنا إلى مغادرة قريتنا إلى منطقة قريبة بسبب الوضع الأمني، لكننا، لم نسلم من المضايقات.. كنا نذهب إلى (البحر) لتحصيل إشارة أفضل، وتعرضنا في إحدى المرات للضرب والتهديد وكدنا نفقد حياتنا قبل أن نصل لمكان فيه شبكة جيدة… واختتمت هبة نزار حديثها بالقول: “بعد تعب ومشقة، وصلت إلى بورتسودان، وهناك تحسنت الظروف نسبياً، لكن تلك الأيام حفرت في داخلي معنى الخوف، رغم الصبر والإصرار، على أن أكمل طريقي رغم كل شيء”.
انقطاع الاتصالات يربك إيصال المساعدات ويزيد المخاطر الميدانية
بدوره قال أحد المنسقين الميدانيين في الهلال الأحمر السوداني، في تصريحات خاصة لــ(سودانس ريبورترس)، إن الانقطاع المفاجئ لشبكات الاتصال والإنترنت أثناء تنفيذ الأنشطة الميدانية أو إرسال المساعدات يسبب أضراراً كبيرة لعمليات الإغاثة.
وأوضح أن إيصال المواد الإغاثية يعتمد على تنسيق دقيق بين الفروع والجهات المستفيدة، وعند انقطاع الاتصال فجأة “يتعطل التسليم أحياناً ليوم أو يومين”، لأن الشخص المكلف لا يستطيع التواصل لتحديد مكان وزمان التسليم. وأضاف: “في بعض الحالات، وقعت عمليات نهب في الطريق، ولم تُكتشف إلا عند وصول المواد إلى الفرع أو الجهة المستفيدة”.
وأشار ذات المصدر إلى أن الانقطاع لا يؤثر فقط على إيصال المساعدات، بل يُربك أيضاً عملية إعداد التقارير، لاسيما تلك التي تتطلب سرعة، مثل تقارير الوضع العام أو التقارير الأمنية التي يعتمد عليها لتخطيط الحركة وتوزيع المساعدات. وقال: “عندما ينقطع الاتصال فجأة، إما أن تنتظر عودة الشبكة، أو تتصرف من عندك، وفي الحالتين، هناك مشاكل، لأن ذلك، قد يغير خططنا مع المناطق المستهدفة، ويؤثر على دقة المعلومات”.
وسرد تجربة شخصية له، حيث كان من المقرر إيصال مواد إغاثية إلى إحدى المناطق بعد تنسيق مسبق مع الجهات المحلية، وتحديد موعد ومكان التوزيع وإخطار المستفيدين. لكن عطلاً في الشاحنة أثناء الطريق، تزامن مع انقطاع الاتصال، حال دون إبلاغ الجهات في المنطقة أو المستفيدين، ما تسبب في إرباك خطة التوزيع وزيادة تكاليف إعادة التنسيق وإصدار التصاريح من جديد، إضافة إلى احتمال فقدان الفئة المستهدفة أو غياب السلطات المعنية.
وبيّن أن الفرق الميدانية كثيراً ما عانت لإيصال معلومات عاجلة إلى المكاتب الإدارية، وأن بعض الرسائل تصل بعد فوات الأوان، مثل طلب إرسال مركبة إضافية، أو زيادة مواد الإغاثة، أو تحويل مبالغ مالية.. وقال: “أحياناً نضطر لإلغاء مهمة كاملة بسبب انقطاع الشبكة، حتى وإن كانت الخطة جاهزة، لأن الاتصال هو الأساس في كل شيء، خصوصاً في بلد نامٍ يعتمد بشكل كبير على شبكات الهواتف والإنترنت”.
شريان حياة مهدد
في السياق ذاته، يقول الخبير في هندسة الاتصالات عمار حمودة لــ(سودانس ريبورترس) إن قطاع الاتصالات تضرر بصورة مباشرة من الحرب، سواء عبر تخريب المحطات المركزية ونهب المولدات، أو عبر قطع الخدمة من قلب الشبكة، إلى المحطات الطرفية، ما أبقى مناطق كاملة خارج التغطية حتى الآن.
ويضيف، أن الاتصالات باتت أكثر حيوية في زمن الحرب، لارتباطها بالخدمات المالية التي تمثل شريان حياة لكثير من المحاصرين والنازحين، غير أن ارتفاع تكاليف التشغيل، خصوصاً أسعار الوقود، وضع الشركات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما رفع أسعار الخدمات وخسارة الزبائن، أو تثبيتها وتكبد خسائر تشغيلية باهظة.
ومع دخول خدمات الإنترنت الفضائي، خفّت حدة الانقطاع جزئياً، إذ مكّنت السكان من تلقي التحويلات المالية والاطمئنان على ذويهم، لكنها ظلت حلاً محدود النطاق، لا يلبي الاحتياجات على نطاق وطني، لكونها غالية الثمن، وفوق قدرة الكثيرين، بجانب أنّ الحديث عبرها، يفقتقد إلى الخصوصية، لأنّها محروسة من عناصر مسلّحة، تقوم بمراقبة المتحدثين.
*الصور من الإنترنيت




