الوصول إلى الحقيقة فى قضية المفقودين/ات والمختفين/ات قسرياً، لن يتحقق، ما لم تتوفر الإرادة السياسية
تعاون الأُسر وتاسيس قاعدة بيانات والرصد والتوثيق أدوات علمية لكشف الانتهاكات
تقرير: مديحه عبدالله – (سودانس ريبورترس) …. 19 أغسطس 2025
ظلت القضايا الخاصة بالاختفاء القسري والمفقودين/ات ، محل اهتمام مدافعين/ات عن حقوق الانسان فى السودان ومنظمات دولية، جعلت همها الأساسى البحث عن الحقيقة، حيث صاحبت حرب أبريل 2023، انتهاكات واسعة لحقوق الانسان، من قبل أطراف الحرب، شملت مصادرة حق الحياة، والاختطاف والاحتجاز والاستغلال الجنسى للنساء والفتيات، وعملت منظمات دولية فى التقصى عبر استخدام وسائل شتى منها الطب الشرعي والحمض النووي ونبش القبور، من أجل التعرف على الضحايا الذين تم تصفيتهم فى ظروف الحروب فى مختلف البلدان التى شهدت نزاعات وانتهاكات واسعة النطاق، مع سعي المجرمين لإخفاء الحقائق، الذى يصل مرحلة حرق الجثث، فى خرق واضح للمواثيق الدولية والاتفاقيات التى تحظر التعذيب والإعدام خارج القانون، وغيرها من الافعال المنافية لحقوق الانسان.
الاختفاء القسرى والاستغلال الجنسي فى السودان
منذ اندلاع الحرب فى السودان، عملت منظمات مدنية حقوقية، على رصد وتوثيق االجرائم المتعلقة بالاختفاء القسرى والمفقودين /ات .. المركز الأفريقى لدراسات العدالة والسلام، أصدر تقرير (خور جهنم) أغسطس 2023، وثَق فيه حالات استغلال جنسي واستعباد، قام بها الدعم السريع، لنساء وفتيات عقب اختطافهن من ولاية الخرطوم، ما زال مصيرهن مجهولا، ويُقدّر عددهن بالعشرات، يُرجّح أنهن ضحايا الاختطاف، من مناطق (أبو ادم، السلمة، عد حسين، جنوب الحزام، والأزهرى بالخرطوم ) بينهن طفلات، فيما تمّ رصد (10) حالات للنساء، بينهن (4) من العاملات فى مجال المشروبات والمأكولات، خضعن للاحتجاز والاستغلال الجنسي والبغاء القسري، فى مدينة نيالا، من قِبل أفراد بزي الدعم السريع، منذ يونيو 2025.
وذكر خبير الأمم المتحدة المعنى بالسودان، رضوان نُويصر، أن الاحصائيات الدقيقة حول أعداد المفقودين، لا تزال غير متوفرة حسب أخبار الامم المتحدة – أبريل 2025، فيما تقدر المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، العدد بنحو خمسين الف مفقود/ة، ووثّقت مجموعات محلية (3,177) حالة، من بينهم خمسمائة إمرأة، وثلاثمائة طفل، وقال الخبير الدولي أن الاختفاء القسري، وفقدان الاشخاص، مشكلة موجودة فى السودان.
وأشارت بعثة الأمم المحتدة الدولية المستقلة، لتقصى الحقائق بشأن السودان إلى ارتفاع جرائم العنف الجنسي فى السودان، حيث تتعرض النساء والفتيات، إلى الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والخطف والعبودية الجنسية، والزواج القسرى، فى الأغلب، فى مخيمات التازحين التى تقع فى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
الطب الشرعى والبحث عن الحقيقة
دوليا تهتم مؤسسة أنثروبولوجيا الطب الشرعي فى غواتيمالا (FAFG) وأصدقاء مؤسسة (FAFG) بالوضع فى السودان، ودعت لحلقة نقاش فى كمبالا فى الثامن من أغسطس الجارى، حول دور علوم الطب الشرعي فى توثيق انتهاكات حقوق الانسان، وفى تحديد أماكن المفقودين/ات، والمختفين/ات فى السودان، وتحديد هوياتهم وقدمت المؤسسة تجربتها فى غواتيمالا التى استمرت أكثر من (25) عاماً، مستندة على منهج الطب الشرعي متعدد التخصصات، الذى تشارك فيه الأُسرة للبحث عن رفاة الأشخاص المختفين، وتحديد هوياتهم وإعادتهم إلى ذويهم .. حضر الحلقة عدد من المدافعين/ات عن حقوق الإنسان من تخصصات مختلفة، لكي، يلتقوا فى الاهتمام بقضية المفقودين/ات، والمختفين/ات قسرياً، وتم استعرض اوضاع حقوق الإنسان فى السودان، وتجربة (FAFG) فى غواتيمالا، وبلدان أُخرى.
أوضحت (FAFG) دور الأسرة والقيادات المجتمعية، فى مساعي البحث عن المفقودين، أحيانا يتم العثور عليهم احياء، وأحيانا قتلى، لذلك، يصبح التحدث مع الأُسر مهم لأخذ معلومات حولهم، ويرتبط ذلك ببناء الثقة، لانشاء قاعدة بيانات، وذلك بأخد عينات من الدم والحمض النووى، ويتم أخذ العينات بأدوات متخصصة، ويساعد ذلك، فى التعرف على الرفاة، فى حالة الوفاة، وأين دفنوا، بعد أخذ التصاريح الخاصة بذلك، وبحضور الاسر، والغرض من ذلك، الحصول على معلومات، حول حياة الأشخاص المفقودين قبل وبعد النزاع، ومن المهم الاستماع للأُسر، واحترام وجهات نظرهم، ومعتقداتهم، وطقوسهم، فهناك من يعتقد أن الموتى، من أفراد أُسرهم يتواصلون معهم عبر الاحلام، ويدلونهم على مكان دفنهم، يتم احترام ذلك، والذهاب لذات المكان، ونبشه احتراما لمعتقدهم، رغم عدم وجود دليل مادي على صحة ذلك، إضافة إلى التعرف على الكيفية التى يرغبون بها إعادة الدفن، واحترام الطقوس، والتقاليد الخاصة بذلك.
عند نبش المقابر، يتم العمل بحذر لكيلا يتم تدمير الرفاة، ويتم التعرف على نوع السلاح، أو الآلة التي تسببت فى الوفاة .. وفى المقابر الجماعية، فأن الحمض النووي يساعد فى التعرف على الأُسرة التي ينتمى إليها الشخص المتوفي… بعض الأُسر ترغب فقط فى العثور على الرفاة، وارجاعها لهم، بغرض القيام بالدفن بكرامة، والبعض الآخر ترغب فى التعويض، ليس المادي فقط، إنما النفسى، كما أن ليس كل الأُسر تهتم بمحاكمة الجناة، والبعض يريد المحاكمة والعدالة، البعض يرغب فقط فى العمل من أجل منع تكرار الجريمة، والبعض ينظر إليها فى إطار تحقيق العدالة الانتقالية .. أحياناً مسألة التعويضات يمكن أن تتسبب فى مشاكل داخل الاسرة، وبعضها ترفض التعاون، مالم يتم توفير مقابل مادي، وبعض الأُسر لا تبدي اهتماماً بكيف حدث الموت، ولا تأمل فى عدالة.
الوضع فى السودان
ودار نقاش واسع حول الوضع فى السودان، والجهود التى تقوم بها منظمات ومؤسسات حقوقية، حول قضية المفقودين/ات، والخراب الذى لحق بالمؤسسات القانونية، بعد حرب 15 أبريل 2023، وغياب المؤسسات العدلية المستقلة، وتأثير وجود الطب الشرعي كملحق بوزارة الصحة، واستخدامه لتقنيات تقليدية .. وعبر المشاركون/ات عن عدم الثقة فى المؤسسات القائمة، وعن أهمية إنشاء أُخرى جديدة، تستند على قيم حقوق الإنسان، وتوفير فرص تدريب وتاهيل للمافعين/ات عن حقوق الإنسان فى مجال الرصد والتوثيق، وإعداد قاعدة بيانات بشكلٍ علمي، يساعد فى الوصول إلى الحقيقة، فى قضية المفقودين/ات والمختفين/ات قسرياً. وكل هذا لن يتحقّق ما لم تتوفر الإرادة السياسية، والاستفادة من تجارب الشعوب والبلدان الأخرى.
*الصور من الإنترنيت




