اخبارالسودانتقاريرسلايدر

حين يتحول النزوح إلى قوة تغيير اجتماعي في عطبرة

ولاية نهر النيل استقبلت نحو 700 ألف نازح داخلي، أي ما يعادل 9% من إجمالي النازحين في السودان

حين يتحول النزوح إلى قوة تغيير اجتماعي في عطبرة

ولاية نهر النيل استقبلت نحو 700 ألف نازح داخلي، أي ما يعادل 9% من إجمالي النازحين في السودان

 

عطبرة – تقرير: قرشي عوض     خاص (سودانس ريبورترس) …. 18 أغسطس 2025

هناك في مدينة عطبرة بنهر النيل، تحوّل النزوح من محنة إلى تجربة جماعية فريدة؛ حيث تكاتفت الأحياء والجهات الشعبية لتأمين الإيواء والغذاء والعلاج، لتنشأ مبادرات أعادت تعريف معنى التضامن، وكشفت كيف يمكن للمجتمع أن يحول الأزمة إلى قوة تغيير..

 

عاد المواطن (سالم) إلى منزله في إحدى قرى ولاية الجزيرة بعد هجوم نفذته قوات الدعم السريع، ليجد طفله الرضيع، الذي لم يتجاوز الستة أشهر، وحيداً في فناء الدار يصرخ من شدة البكاء، فيما غابت زوجته وابنته الصغيرة بلا أثر.

قضى سالم، وهو اسم مستعار، ساعات النهار باحثاً بين البيوت والطرقات عن المفقودتين، لكن دون جدوى، ومع غروب الشمس عاد إلى طفله الباكي محمّلاً بالعجز والخذلان.

ولكي يواصل بحثه في الأيام التالية، كان لا بُدّ أولاً من إيجاد مأوى آمن لرضيعه. اتصل بابنة خالته التي كانت تقيم في أم درمان، ليكتشف أنها نزحت إلى عطبرة. حمل إليها الطفل وأودعه عندها، ثم عاد مثقلاً بالقلق ليواصل رحلة البحث عن زوجته وابنته الصغيرة، رحلة ما تزال نهايتها غامضة حتى الآن.

مثل هذه الحالات تتكرر بكثرة في معسكرات النازحين بمدن ولاية نهر النيل، حتى اضطرت وزارة الرعاية الاجتماعية، بالتعاون مع جهات مختصة، إلى إعداد برنامج خاص يهدف إلى جمع الأطفال بذويهم أو توفير أسر بديلة لهم.

من بين تلك الحالات طفل من أم بدة يبلغ من العمر خمس سنوات، وصل إلى عطبرة برفقة أسرة صادفها في الطريق.

تروي إحدى العاملات في البرنامج، والمشرفة على حالته، أنهم تمكنوا من العثور على والدته، لكنها كانت مصابة باضطراب عقلي، ورأوا أن مصلحة الطفل تقتضي إبعاده عنها. تكفّل بعض الخيّرين بكسوته ورعايته وتعليمه، غير أن ذلك لم يلتئم معه الجرح الغائر في داخله؛ إذ يعيش في المعسكر منطوياً على نفسه.

كما كانت الهجمات على القرى مباغتة، جاء النزوح عشوائياً. وتشير منظمة “فولنتير” الشبابية بعطبرة، التي تأسست عام 2020، كجزء من غرفة الطوارئ، إلى أن النزوح بدأ منذ الأسبوع الثالث للحرب، وازداد عقب قصف مدينة بحري. حينها كان الميناء البري يستقبل يومياً ما بين 50 و70 بصاً، إلى جانب الحافلات والدفارات والعربات الخاصة، وظل التدفق مستمراً حتى وصول قوات الدعم السريع إلى ولاية الجزيرة.

توضح رأفة عمر، عضو منظمة “فولنتير”، أنهم انسحبوا من عملية الإيواء بعد خمسين يوماً، بعدما بات من الصعب تنظيمها.

ولا تتوفر إحصاءات دقيقة أو محدثة عن العدد الكلي للنازحين في مدينة عطبرة على وجه الخصوص. غير أن تقريراً صادراً عن المنظمة الدولية للهجرة يشير إلى أن ولاية نهر النيل استقبلت نحو 700 ألف نازح داخلي، أي ما يعادل 9% من إجمالي النازحين في السودان.

ويؤكد علي عمر، عضو لجان المقاومة في عطبرة، أن حصر النازحين يكاد يكون مستحيلاً بسبب غياب أماكن مخصصة لإقامتهم، إذ توزعوا بين المدارس والأندية والزوايا والداخليات والميناء البري والساحات الشعبية. ويضيف أن السلطات المحلية أخرجتهم من المدارس والداخليات، وحصرت وجودهم في مدرسة نهر عطبرة التي تأوي أكثر من 80 أسرة رغم أنها آيلة للسقوط، إضافة إلى حي النهضة شرق المدينة. كما أن جزءاً آخر من النازحين كان يقيم في مركز التدريب المهني، قبل أن يتم ترحيلهم عقب استهداف المدينة بمسيّرات الدعم السريع.

في البداية كان النازحون يجدون مأوى لدى أقاربهم ومعارفهم داخل المدينة، لكن سرعان ما وصلت عطبرة إلى مرحلة التشبُّع، ما دفع للتفكير في فتح مراكز إيواء جماعية.

مبادرات

وجاءت المبادرة من غرفة طوارئ عطبرة، التي تضم منظمات ومبادرات ولجان مقاومة ولجان أحياء، حيث رفعت مقترحاً للجهات المعنية التي استجابت بعد أن امتلأت الزوايا، واكتظ الميناء البري بالأسر النازحة. وبناءاً على ذلك، تم فتح داخليات ومدارس، واستراحات السكة حديد، وإسكان حي النهضة شرق المدينة والمعمورة، إضافة إلى مقار نقابة عمال السكة حديد، وساحة نادي الكوكب، ومدرسة السيالة الجديدة، وعدد من مدارس حي المطار، وحي الوحدة.

توزعت أعداد كبيرة من الأسر النازحة على أحياء ومناطق متفرقة في عطبرة وضواحيها: استقر في إسكان حي النهضة 1,256 أسرة، وفي حي المطار 30 أسرة، وفي حي الثورة 1,000 أسرة، وفي مجمع الأمن الغذائي 900 أسرة، وفي حي الوحدة 700 أسرة، وفي خليوة 300 أسرة، وفي نهر عطبرة 153 أسرة. كما أقامت 150 أسرة في زوايا جنوب حي الموردة شرق وغرب والطليح، و50 أسرة في حي الدرجة، و200 أسرة في حي الحصايا، و60 أسرة في حي السوق، و50 أسرة في الامتداد الشرقي، و45 أسرة في حي السكة حديد، بينما استقر نحو 700 أسرة في منطقة سولا.

وفي حي أم بكول العطبراوي العريق، جسّد الأهالي هذا المعنى واقعاً؛ فتكفّلوا بعقد زيجات بين النازحين، وزفّوا عريساً نازحاً في عطبرة إلى عروسه النازحة في شندي، على إيقاع السيرة، وسط تهليل وتكبير، بدا وكأنه إعلان انتصار على القهر. وفي المقابل، نُصبت سرادق العزاء لضحايا النازحين، وأوقفت أندية الأحياء نشاطها ثلاثة أيام، كما جرت العادة، احتراماً لجلال الموت. هذه الروح منحت النازحين شعوراً بالكرامة.

عبد الإله الريح، عضو غرفة الطوارئ، يصف لنا هذا المشهد قائلاً: تم تكوين لجنة استقبال في الميناء البري، تضم ممثلين من لجان المقاومة والأحياء، يحمل كل واحد منهم تفاصيل الإيواء في منطقته، بما في ذلك عدد المنازل القادرة على استقبال أسر.

ويضيف “نستقبل النازحين منذ لحظة وصولهم، نخفف عنهم بكلمات المواساة، ونقدّم لهم إفطاراً بسيطاً من سندوتش وعصير. بعدها نستوضح أوضاعهم: فإن كان لهم أقارب، سهّلنا وصولهم إليهم عبر الترحيل المجاني، وقد تبرع سائقو الركشات بذلك، كما فعلوا أيام قطار (رد الجميل) خلال ثورة ديسمبر. أما من لا أقارب لهم، فتتولى إحدى لجان الأحياء إيجاد أسرة بديلة تستضيفهم.”

مشاكل الإعاشة

وأمام تزايد أعداد النازحين برزت مشكلة الإعاشة كأحد أكبر التحديات. ففي مراكز الإيواء بادر أهالي كل حي إلى إنشاء مطبخ جماعي، كما ظهرت مطابخ أخرى في مناطق متفرقة لتوزيع الطعام، ظل بعضها مستمراً في عمله حتى اليوم، مثل “تكيّة” عطبرة، ومنظمة فتحي الوكيل، ومطبخ شباب عطبرة، ومطبخ الأمل.

غير أنّ هذه المجهودات، على أهميتها، لم تفِ بالحد الأدنى من احتياجات النازحين المتزايدة. وكما أوضح علي عمر، عضو لجان المقاومة، فإن أعداداً كبيرة من النازحين وجدوا أنفسهم في الشوارع بعد أن أخلت السلطات المحلية مراكز الإيواء بالقوة، دون أن يتوفر لهم حصر رسمي، أو دعم من الجوار. هؤلاء النازحون، كما يضيف عمر، حاول بعضهم في البداية إيجاد مصادر رزق بسيطة مرتبطة بالأحياء التي استقروا فيها مؤقتاً، لكنهم فقدوا هذه الفرص بعد قرار الطرد، ليتفاقم وضعهم أكثر.

وتتضاعف خطورة الأزمة مع انقسام الهيكل المنوط به إدارة عملية الإيواء؛ إذ أصاب الخلاف لجنة الطوارئ بالتشرذم، ما جعلها عاجزة عن التنسيق وتقديم استجابة فعالة.

مشاكل العلاج

وتبرز إلى جانب الإيواء والغذاء مشكلة العلاج. فقد كانت هناك مبادرات لتقديم الرعاية الصحية، تمثّلت في أيام علاجية وصحية داخل مراكز الإيواء، أغلبها نفذته منظمات مثل اليونيسف على فترات متباعدة. غير أن أول جهة شعبية تصدت مباشرة لقضية العلاج كانت منظمة “فولنتير”، التي خاطبت وزارة الصحة بالولاية. واقترحت الوزارة فتح مركز صحي تشرف عليه، فكان ميلاد مركز أم بكول الصحي للعلاج المجاني للوافدين. ورغم تبعيته لإدارة الصحة بمحلية عطبرة، إلا أنه ظل يتلقى دعماً من جهات أهلية وشعبية مختلفة.

توضح د. آية مصطفى، المديرة الطبية للمركز، أن الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط والربو منتشرة وسط النازحين، إلى جانب الحميات والالتهابات وأمراض الجهاز التنفسي.

وتضيف أن المركز، شأنه شأن أي مركز يقدم الرعاية الصحية الأولية، يواجه أمراضاً مرتبطة بالنزوح مثل سوء التغذية والاضطرابات النفسية. وقد أنشأت وزارة الصحة عيادة نفسية داخل المركز، كما دربت مجموعة من شباب منظمة “فولنتير” على الإسعاف النفسي الأولي، والمعالجة المطوّرة. وتتحرك فرق من المنظمة إلى المعسكرات، تجلس مع المحتاجين، وتحدد طبيعة التدخل المطلوب، وذلك تحت إشراف إدارة الصحة النفسية بالوزارة.

وتؤكد إدارة مركز أم بكول أن جميع الخدمات تُقدَّم مجاناً، عبر 55 متطوعاً أساسياً إلى جانب عدد آخر من الأخصائيين في مجالات الأشعة والمعامل. ويستقبل المركز في المتوسط نحو 50 حالة يومياً.

وتشير رأفة عمر، من منظمة “فولنتير”، إلى أن بين المتطوعين أنفسهم نازحين، بل، إن أول طبيب شغّل المركز كان منهم.

وتختم بالتأكيد على أن مجتمع النازحين لم يكن مجرد متلقٍّ للدعم، بل ساهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة؛ إذ أدخلوا إليها حِرفاً ووسائل كسب لم تكن معروفة، وأحدثوا طفرة في مجال التسويق. كما أن العمل الطوعي في عطبرة استفاد من خبرات منظمات طوعية من مدن أخرى، الأمر الذي مكّن منظمة “فولنتير” من العمل في مجال تأهيل النازحين وتشجيع بعضهم على استئناف أعمالهم السابقة، محققة بذلك نجاحات ملموسة.

*الصور من الإنترنيت 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى