بين الاحتجاج والقانون: ملف حرية التعبير في المدارس السودانية
المشروع القائم حالياً يعتمد على القمع، ولا يمتلك مشروعاً قادراً على الصمود أمام الحريات العامة وحرية التعبير.
تقرير: محمد عبد الحفيظ خاص(سودانس ريبورترس) …. 13 أغسطس 2025
منذ مطلع الأسبوع، تحولت مدينة كريمة شمالي السودان إلى بؤرة جدل عام، بعد أن فجرت قضية نقل مديرة مدرسة عبيد الله حماد ووكيلتها موجة تضامن لافتة، امتدت من ساحات المدرسة إلى منصات النقاش العام. الاحتجاجات التي انطلقت بسبب الانقطاع المزمن للكهرباء سرعان ما اتخذت بُعداً حقوقياً، مع استدعاء المعلمتين من قبل جهاز المخابرات وإدانة الإجراء من قبل لجنة المعلمين السودانيين وخبراء قانونيين. وفي خضم هذا الضغط المجتمعي والنقابي، جاء الثلاثاء قرار إدارة التعليم بالتراجع عن النقل، ليشكل تطوراً مفصلياً في القضية.
وأثار اعتقال جهاز المخابرات السوداني لعدد من المعلمات المشاركات في وقفة احتجاجية سلمية، موجة من الانتقادات في الأوساط النقابية والقانونية، وسط تحذيرات من تصاعد الانتهاكات ضد حرية التعبير والحق في الاحتجاج.
وتأتي هذه الحادثة في ظل أوضاع سياسية وأمنية متوترة، وهيمنة السلطات العسكرية على أجهزة الدولة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، الأمر الذي اعتبره معلمون وقانونيون استمراراً لمسار تقويض سيادة حكم القانون وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية خارج الأطر الدستورية.
وعلى الرغم من أنّ إدارة التعليم بمدينة كريمة شمالي السودان، تراجعت عن قرارها بنقل مديرة مدرسة عبيد الله حماد ووكيلتها بعد مشاركتهما في احتجاجات ضد استمرار انقطاع الكهرباء، وذلك عقب موجة تضامن واسعة من المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، فيما أكدت المديرة عائشة عوض أنها عادت لعملها رغم عدم تسلمها قراراً رسمياً بالإلغاء، من أجل إرضاء الطالبات والمجتمع المحلي.
لكن الحادثة التي سبقت هذا التراجع أثارت موجة من الانتقادات في الأوساط النقابية والقانونية.
التحقيق مع المعلمات تلاه قرار من إدارة التعليم بنقل مديرة مدرسة عبيد الله حماد ووكيلتها إلى مدارس بعيدة، ما أثار استياءً واسعًا وسط المجتمع التعليمي.
ووصفت لجنة المعلمين السودانيين القرار بالباطل وحمّلت السلطات التعليمية كامل المسؤولية عن الأضرار التي لحقت بالمعلمات، مطالبة بإلغاء النقل فورًا والاعتذار العلني.
وتبعُد كريمة نحو 27 كيلو متراً من موقع سد مروي الذي يمد ولايات عديدة بالكهرباء، مما خلق استياء وسط مواطني المدينة حول انقطاع التيار منهم.
وقالت لجنة المعلمين السودانيين في بيان، إنها تحمّل السلطات التعليمية والمسؤولين عن إصدار القرار كامل أي أضرار نفسية أو مهنية تلحق بالمعلمات المتضررات.
وطالبت اللجنة بإلغاء القرار فوراً وإعادة المعلمات إلى مواقعهن دون قيد أو شرط، مع الاعتذار العلني عن المساس بسمعتهن المهنية.
ودعت اللجنة جميع المعلمين والمعلمات إلى التمسك بحقهم المشروع في التعبير عن الرأي وحماية بيئة التعليم من التسييس والانتقام الإداري.
وأعادت التعديلات القانونية غالب السلطات والصلاحيات التي كان يتمتع بها الجهاز قبل تقييدها بواسطة الحكومة الانتقالية التي أطاح بها انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021.
وقال المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، إن نقل المعلمات يُعد من حلقات عودة عناصر النظام السابق وتماهيهم مع السلطة الحالية، مؤكداً أنهم لا يستطيعون العودة بصورة واضحة إلّا في ظل كبت الحريات ومصادرة حقوق الناس التي انتزعوها في ثورة ديسمبر 2018.
وأضاف لـ(سودانس ريبورترس) أن المشروع القائم حالياً يعتمد على القمع، ولا يمتلك مشروعاً قادراً على الصمود أمام الحريات العامة وحرية التعبير.
وأوضح الباقر أن لجنة المعلمين اتخذت عدة إجراءات منها إصدار بيان تضامن واستنكار لنقل المعلمات، والتواصل مع لجنة المعلمين في الولاية الشمالية والمعلمات المتضررات، فضلاً عن إيصال القضية إلى الجهات الحقوقية على المستويين الإقليمي والدولي. كما تم التنسيق مع وسائل الإعلام المحلية والدولية لتوضيح حقيقة الأمر.
ودعا الباقر المعلمات إلى التمسك بحقهن في التعبير، مشيراً إلى أن ما قمن به حق مكفول دستورياً وقانونياً، معبراً عن رفضه لتحويل هذا الحق إلى سبب للعقاب.
كما دعا المعلمين والمعلمات في الولايات الشمالية، وكل السودان، إلى التضامن مع زميلاتهم/ن، محذراً من أن نزع هذا الحق يمثل محاولة لمصادرة حق التعبير عن الرأي، وأكد على ضرورة استمرار التضامن والدفاع عن هذا الحق.
وأكد على أهمية توفير الحماية للمعلمين لممارسة حقهم في الاحتجاج والمطالبة بحقوقهم، مشيراً إلى أن هذه الحقوق لا تخص المعلمين فقط بل تمس العملية التعليمية والشعب السوداني بأسره.
من جهته، قال المحامي والقانوني المعز حضرة، تعليقاً على استدعاء جهاز المخابرات السوداني لمعلمات شاركن في وقفة احتجاجية سلمية، إن هذا الإجراء “لا يتوافق إطلاقاً مع الحقوق المكفولة للمواطنين”، موضحاً أن الوثيقة الدستورية منحت جميع المواطنين حق الاحتجاج السلمي، وهو “حق مشروع” ومكفول منذ زمن بعيد، حيث كان منصوصاً عليه أيضاً في دستور 2005 إبان حكم الرئيس المخلوع عمر البشير.
وأضاف حضرة لـ(سودانس ريبورترس) أن هذا الحق منصوص عليه في العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان لسنة 1963، واللذين صادق عليهما السودان عام 1986، وأصبحا جزءاً من القانون الوطني، وبالتالي “لا يجوز اعتقال المعلمات السودانيات، لأن ذلك حق دستوري وحق أكدته جميع مواثيق حقوق الإنسان”.
وانتقد حضرة ما وصفه بـ”الفوضى القانونية الكاملة” التي تعيشها البلاد حالياً، قائلاً: “جهاز المخابرات وكل الأجهزة القمعية الموجودة الآن لا تعمل وفقاً لنصوص القانون. الاعتقالات الآن لا يقوم بها جهاز المخابرات وحده، فكتائب “البراء بن مالك” لديها سجون وتعتقل، وهناك مسمى جديد يسمى “الخلية الأمنية” يقوم بالاعتقال والتحقيق، وهذه كلها مسميات لا وجود لها في القانون”.
وأوضح أن مهمة جهاز المخابرات، وفق الدستور، تنحصر في جمع المعلومات، لكن “بعد انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021، مُنح الجهاز حصانات كاملة وحق الاعتقال، وهذا كله مخالف للقانون، لأن البرهان لا يملك الحق في تعديل الوثيقة الدستورية ولا يملك شرعية لذلك”.
وأكد حضرة أن المعلمات يمتلكن “أساساً قانونياً متيناً” في احتجاجهن، إذ يستندن إلى الوثيقة الدستورية ووثيقة الحقوق والحريات، بالإضافة إلى العهدين الدوليين اللذين صادق عليهما السودان في الفترة التي أعقبت ثورة أبريل 1985. وشدد على أن المخابرات “ليس من حقها اعتقال أي مدني”، وإذا كان هناك بلاغ، فالجهة المختصة هي النيابة التي تفتح البلاغ وتحيله إلى المحكمة.
واستطرد قائلاً: “قبل انقلاب البرهان لم تكن هناك سوابق أو حالات مشابهة، لكن بعد الانقلاب “تمزقت” الوثيقة الدستورية، وأصبحنا أمام وضع يتركز فيه كل شيء في يد رجل واحد، يصدر الأوامر، ويعدل القوانين، ويعين النائب العام ورئيس القضاء ووزير العدل. كل هذه السلطات في يده، وهذا أمر غير شرعي ولا يستند إلى أي سند قانوني”.
تُبرز حادثة نقل المعلمات في كريمة والتحركات المرافقة لها التوتر العميق بين حقوق الأفراد في التعبير عن الرأي، والسلطات الإدارية والأمنية في السودان. كما تظهر قوة التضامن المجتمعي والنقابي في حماية الحقوق الأساسية، وتسلط الضوء على الانتهاكات القانونية التي رافقت سيطرة الأجهزة الأمنية بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
إن تراجع إدارة التعليم عن نقل المعلمات بعد ضغط شعبي ونقابي يشكل انتصاراً جزئياً للحق في الاحتجاج، لكنه يظل تذكيراً بضرورة استمرار الدفاع عن الحريات، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تجاوز القانون، لضمان بيئة تعليمية عادلة وآمنة لكل المعلمين والطلاب على حد سواء.
*الصور من الإنترنيت




