نأكل ما تأكله الماشية”.. حين يصبح علف الأبقار آخر وجبة متاحة للبشر بالفاشر … حكايات تُبكي الحجر
صرخة داوية من إنسان الفاشر …الوضع الآن منهار تماماً … فمن يسمع ؟!.
تقرير: حسيبة سليمان: شهادات حصرية لــ(سودانس ريبورترس) من مواطني مدينة الفاشر …11 أغسطس 2025
في قلب مدينة الفاشر المحاصرة، لم يعد السؤال: “ماذا سنأكل؟” بل صار: “هل سنجد ما نأكله؟”
هنا، في عاصمة السلاطين، حيث توقفت الحياة عند صوت الرصاص وغياب الإغاثة، يتشارك البشر والماشية آخر ما تبقى من علف يابس (أمباز). مشهد يفوق الخيال: أطفال يتقاسمون أعواد الذرة اليابسة مع الأبقار، وأمهاتٌ يطهون ما لا يُؤكل، فقط لإسكات بطون خاوية.
تحت حصار خانق قطع عن المدينة شرايين الغذاء والدواء، يعيش آلاف المدنيين على حافة المجاعة، فيما يراقب العالم بصمت مأساة إنسانية تتفاقم كل يوم.
الوضع صعب، بل، مُروِّع، وأكثر من كارثي
وفي التفاصيل قال آدم، رجال المتحدث الرسمي بأسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين لــ(سودانس ريبورترس) أن الوضع الإنساني في الفاشر صعب للغاية، بل مروع، وأكثر من كارثي، حيث بلغ الناس مرحلة خطيرة جداً؛ فقدوا فيها كل سُبل الحياة، بعد أن استُهلكت تماما المواد التي كانت متوفرة لديهم في البيوت. لم يتبقَّ شيء.. الناس غير قادرين على الأكل أو الشرب أو العلاج.. هناك من يموت بسبب الجوع وانعدام الرعاية الصحية، والحياة في الفاشر، أصبحت كالجحيم، بل أسوأ من الموت.. إنسان الفاشر يموت بصمت، دون أن يشعر به الآخرون.
الذرة بسبعة مليارات.. رقم لايطاق
وأضاف رجال: الوضع وصل إلى مرحلة الانهيار الكامل، لأن المواد الغذائية الأساسية غير متوفرة، وحتى إن وُجدت، فهي باهظة الثمن؛ إذ بلغ سعر جوال الدخن أو الذرة سبعة مليارات وخمسمائة مليون جنيه سوداني، وهو رقم لا يُطاق، خاصة في ظل انعدام تام للسيولة النقدية.
وقال أن مدينة الفاشر، ومعسكري زمزم وأبو شوك، تم تصنيفهم منذ أغسطس من العام الماضي من قِبل لجنة خبراء المجاعة، ضمن المناطق التي تشهد مجاعة حقيقية، بناءاً على معايير علمية محددة.. ومنذ ذلك الوقت، وحتى اليوم، مر عامٌ كامل، ولم تصل إليهم أي مساعدات تُذكر.. الوضع الآن منهار تماماً.
وصلنا مرحلة تناول الأمباز
وسرد رجال تفاصيل قاسية، مشيراً إلى أن الناس وصل بهم الحال أنهم يتناولون “الأمباز” – وهو بقايا الفول السوداني أو السمسم، بعد عصر الزيت، ويُستخدم عادة كعلف للحيوانات – وقد أصبح الآن الوجبة والغذاء الرئيسي للمواطنين والنازحين داخل مدينة الفاشر.
وهناك من لم يعد قادراً حتى على الحصول على “كُوْرة الأمباز”، والتي وصلت إلى 5 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ لا يستطيع كثير من الناس توفيره.. نسبة كبيرة من المواطنين تدهورت بنيتهم الجسدية بشكل مريع، حتى إن البعض لم يعد قادراً على السجود أثناء الصلاة، بسبب الجوع والإعياء الشديد.
حتى البنادول لم يعد موجوداً
هذا واقعٌ مرير، ومأساة تتجاوز حدود الكارثة الإنسانية .. الأطفال والنساء هم أكثر من يدفع الثمن في ظل هذا الوضع القاتم. حتى الماء أصبح الحصول عليه صعباً، ناهيك عن الأدوية والعلاج. حتى البنادول، الدواء الأساسي لتسكين الألم، غير متوفر، فما بالك بالأدوية المنقذة للحياة؟ جميع الاحتياجات الإنسانية الملحة نفدت تماماً.
الوضع في غاية السوء. المواطن بين قاب قوسين أو أدنى من الموت، بينما قوات الدعم السريع تقصفهم بلا رحمة، والقوات الحكومية (الجيش والقوات المشتركة) تستخدمهم كدروع بشرية. جميع هذه الأطراف مجرّدة من كل القيم والأخلاق.
الغالبية ممن خرجوا من الفاشر اتجهوا إلى منطقة طويلة، وهي تُعد من المناطق الأكثر أماناً نسبياً، ولكنها، تواجه كارثة صحية من نوع آخر، حيث تفشى فيها وباء الكوليرا، مما فاقم الأوضاع. وبلغ عدد الإصابات في طويلة 3270 حالة إصابة تراكمية حتى الآن، بينها 68 حالة وفاة.
وفي منطقة قولو، والتي تضم عدداً كبيراً من نازحي الفاشر، سُجلت أكثر من 500 حالة إصابة تراكمية بالكوليرا، حتى هذه اللحظة.. ورغم وجود بعض الجهود لمكافحة الوباء في كل من طويلة وقولو، إلا أن المرض ما يزال ينتشر بسرعة، ليُضاف إلى معاناة الجوع والخوف والحصار. حسبما ما يؤكد رجال لـ(سودانس ريبورترس).. ويُضيف: “الناس اليوم محاصرون بين المجاعة، والوباء، والقصف، والموت الصامت.. إن ما يجري في الفاشر إبادة جماعية صامتة، تُمارَس عبر الجوع، وغياب الغذاء والدواء، وتفشي الوبائيات داخل المعسكرات. إنها أوضاع مأساوية وكارثية بكل المقاييس، ولا بد من تدخل دولي فوري لإنقاذ إنسان الفاشر من مصير محتوم”.
انعدام الغذاء وارتفاع أسعار الأمباز
في شهادات حصرية لــ(سودانس ريبورترس)، قالت حسنة آدم إن الأوضاع المعيشية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، حتى الطعام البسيط مثل “الأمباز” أصبح نادراً، مضيفةً: “نحن معانين كتير، حتى الأمباز زاته بقى مافي، وعايزين دعم زيادة، مافي حاجات بتدخل الفاشر، الشوارع كلها مقفلة ومحاصرة، وحتى المواد الغذائية انعدمت، وما بناكل غير الأمباز، وحتى الأمباز بقت الكورة بمبلغ 5 آلاف جنيه سوداني”.
التكية مصدر الغذاء الوحيد
من جانبها، وصفت خديجة محمد حياتهم بأنها “صعبة شديد”، موضحةً أنهم يعتمدون على التكية للحصول على وجبة الأمباز اليومية، لكنهم أحياناً يصلون متأخرين ليكتشفوا نفادها”.. “وأكدت أن سعر كورة الأمباز ارتفع إلى 5 آلاف جنيه سوداني، وهو مبلغ يفوق قدرتهم الشرائية، مشيرة إلى أن أي محاولة لجلب مواد غذائية من خارج الفاشر تنطوي على مخاطر كبيرة، وقد تنتهي بالمصادرة، أو الاعتداء، مما يترك الاشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن دون طعام”.
نزوح جماعي ومعاناة على الطرق
أما منى سبيل الحاج، فقد غادرت الفاشر مؤخراً، تاركةً وراءها سكاناً يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء، مشيرة إلى أن الأمباز أصبح الوجبة الرئيسية، بينما بقية الأطعمة إما انعدمت أو أصبحت باهظة الثمن. وأضافت أن الأمباز قد يسبب مشاكل صحية خطيرة للحوامل والمرضعات والأطفال، الذين يعانون أصلاً من نقص الفيتامينات، فيما خرجت المستشفيات عن الخدمة، بما فيها مستشفى الولادة السعودي والسلاح الطبي.
وأكدت أن القصف المستمر يمنع الوصول إلى الرعاية الصحية، وأن كثيرين اضطروا للنزوح سيراً على الأقدام لمسافات طويلة، وسط معاناة قاسية، مما أدى إلى وفاة أطفال ونساء حوامل في الطريق، أو بعد وصولهم إلى المعسكرات.
أسواق خالية .. وخنادق مكتظة بالجوعى
وأكّدت منى لــ(سودانس ريبورترس) أن السكان يختبئون في الخنادق، وأن الأسواق خالية تماماً، فيما يموت البعض جوعاً داخلها.. وأضافت أن الأطفال يعانون من سوء تغذية حاد، ويموتون بأعداد كبيرة، وأن المرضعات فقدن القدرة على إنتاج الحليب، مشيرة إلى أن النساء والأطفال وكبار السن، هم الأكثر تضرراً من الحرب.
أمباز قديم … مخاطر صحية
بدورها، أوضحت حسينة حسن هاشم لــ(سودانس ريبورترس) أنها غادرت الفاشر منذ يومين، وأن الوضع هناك بالغ الصعوبة، حيث أن الأمباز المتوفر قديم، ورديء، ويسبب الإسهال للأطفال. وأشارت إلى أن الحوامل لا يستطعن الوصول إلى المستشفيات بسبب القصف، وأن بعضهن تعرضن للإجهاض، في ظل غياب الأدوية والرعاية الصحية، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة.
شكاوى من سوء التحضير وارتفاع الأسعار
أما مدينة حسن آدم، فأكدت لــ(سودانس ريبورترس) أن أهل الفاشر “تعبانين شديد”، وأنه لا توجد وجبات سوى الأمباز، وحتى عند تحضيره للعصيدة غالباً يكون نيئاً ويسبب الإسهال، فضلا عن ارتفاع سعره، لدرجة لا يمكن معها شراؤه.
في الفاشر، لم يعد الجوع مجرّد إحساس مؤلم في المعدة، بل صار وجها آخر للموت، يتربّص بكل بيت، ويخطف أرواح الأطفال والنساء بصمت قاتل… هنا، حيث تُطعم الأمهات أبناءهن ما كان يوماً غذاءاً للماشية، وحيث تتحوّل الأسواق إلى فراغٍ موحش، والخنادق إلى ملاذات للجوعى، تنطفئ الأرواح، قبل أن يسمع بها أحد. وبين قصفٍ لا يرحم، وحصارٍ يخنق، ووباءٍ يحصد، يعيش إنسان الفاشر أيامه الأخيرة على حافة الفناء، فيما يكتفي العالم بالمشاهدة… وإذا لم تتحرك الضمائر – الآن – فلن يتبقى في هذه المدينة سوى صدى أصواتٍ كانت يوماً تطلب الحياة… الوضع الإنساني في الفاشر يُوصف بأنه كارثي، مع استمرار الحصار والقصف، وغياب المساعدات الغذائية والطبية، وتفاقم معدلات سوء التغذية، مما يهدد حياة الآلاف من الأطفال والنساء وكبار السن … فمن يسمع ؟!.



