لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تسريع انتشار خطاب الكراهية، حيث نشطت مجموعات وناشطون مقربون من أطراف النزاع، في الترويج لأفكار انقسامية، مستخدمين عبارات تتّسم بالعنصرية الصريحة، وإطلاق أحكام جماعية تجاه مكونات بعينها.
تقرير: حسيبة سليمان – خاص (سودانس ريبورترس) … 8 أغسطس 2025
في الوقت الذي تشهد فيه الساحة السودانية واحدة من أسوأ موجات النزاع المسلح منذ عقود، تزايدت بشكل ملحوظ مظاهر خطاب الكراهية والتحريض على أسس عرقية وجهوية، ما يثير قلق المراقبين والمجتمع المدني بشأن التماسك الاجتماعي ومستقبل التعايش بين مكونات البلاد.
ووفقاً لخبراء حقوقيين تحدثوا لــ(سودانس ريبورترس)، فإن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أطلقت موجة غير مسبوقة من التعبئة الإعلامية السلبية، التي أعادت إنتاج الانقسامات التاريخية في البلاد، وعمقت الاستقطاب الجهوي والعرقي، ودفعت بشرائح واسعة من المجتمع إلى تبني خطاب يقوم على الإقصاء والتحريض والانتقام.
وفي السياق ذاته قالت رحاب مبارك، الناشطة الحقوقية، وعضوة مبادرة محاموا الطواريء لــ(سودانس ريبورترس): “بالنسبة لخطاب الكراهية، فهو يُعد الانتهاك والجريمة الأقبح والأسوأ والأشمل التي حدثت في هذه الحرب الملعونة… وهي جريمة مورّثة من جانبي طرفي النزاع، وأصلاً كانت الحركة الإسلامية قد شكّلت لها أرضية ثابتة وقوية، منذ بداية حكم الإنقاذ في عام 1989، وانتشر طيلة فترة الإنقاذ الخطاب القبلي والجهوي والعنصري.
تقول رحاب مبارك، كانت هناك العديد من المشكلات التي تقوم بين القبائل، والتي يموت بسببها العشرات من كل قبيلة، مثل البني عامر والهدندوة في شرق السودان، والمساليت والقبائل العربية في غرب السودان. وكانوا يرون هذه الأمور على أنها مشكلات تتعلق بالحواكير وما شابه، لكنها، في حقيقتها كانت مشكلات عنصرية.
وبعد اندلاع الحرب، تطوّر خطاب الكراهية والعنصرية إلى أن أصبح يشمل مناطق بالكامل، فظهر ما يُعرف بخطاب “الحواضن”، وأصبحت هناك كلمات وعبارات ومصطلحات لغوية جديدة: “حواضن للدعم السريع” و”حواضن للجيش”، وأيّ شخص يجد الآخر في مناطق الحرب المشتعلة، يُقتل فقط لأنه من “حواضن” الجيش، أو الدعم السريع. وحدث هذا ليس فقط على مستوى الحرب، بل حتى على مستوى المدنيين، فى بعض الأحايين.
وأضافت رحاب مبارك “العديد من أبناء غرب السودان الذين تم استهدافهم في مناطق شمال السودان ووسطه بسبب الإثنية والقبيلة فقط، لا لشيء آخر. وكذلك، هناك العديد من أبناء شمال السودان الموجودين في جنوب السودان، تم التعامل معهم بسوء ملحوظ، بسبب انتمائهم لقبيلة ما في الشمال أو الوسط.
الجماعات الإسلامية المتطرّفة، مثل “كتائب البراء” عجّجت خطاب الكراهية، خصوصاً بتصفيتها للعشرات من أبناء الكنابي، وأبناء جنوب السودان، وغرب السودان.. وشاركتها في هذا التوجه العنصري قوات “درع السودان” بقيادة أبوعاقلة كيكل.
في الوقت الراهن، يوجد خطاب كراهية ممنهج وملحوظ بين الحركات المسلحة، وقبائل شرق السودان المسلحة، مثل مجموعة شيبة ضرار ومجموعة تِرك في بورتسودان، حيث يوجد نزاع على الموارد، وهذه في تقديري قنبلة موقوتة ستنفجر في أي لحظة، مشيرة الي ان خطاب الكراهية أطال أمد الحرب، بسبب غياب القبول بالآخر، وعدم إمكانية التعايش بين القبائل.
وكل هذا مدعوم بآلة إعلامية ضخمة، تعمل لصالح هذا الخطاب الجهوي، وهناك العديد من “اللايفاتية” والإعلاميين التابعين للمؤتمر الوطني، أو الحركة الإسلامية، الذين عملوا في هذا الاتجاه العنصري، منهم “الأنصرافي” و”عمسيب” و”أبو رهف” وغيرهم … فأين هؤلاء من مؤججي الحرب الذين يعتمدون بصورة مباشرة على خطاب الكراهية في خطاباتهم التي تشعل نار الحرب؟
تركة تاريخية من الانقسام
تاريخياً، لم يكن خطاب الكراهية في السودان وليد اللحظة، إذ ترسخت ملامحه منذ عقود في ظل غياب مشروع وطني جامع، ونتيجة للاستغلال السياسي للتنوع الثقافي والديني والجهوي في البلاد. وقد أسهم غياب العدالة الاجتماعية، وضعف مؤسسات الدولة، وتسييس الإعلام والتعليم، في تكريس هذا الخطاب ضمن أوساط المجتمع، لا سيما، في ظل انقسامات ما بعد استقلال جنوب السودان، وما تلاه من أزمات في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق.
ويحذر محللون من أن خطاب الكراهية لم يعد مجرد سلوك فردي أو تعبير عابر، بل أصبح جزءاً من خطاب رسمي وإعلامي مُوجّه، يتم تسويقه أحياناً عبر منصات إعلامية محسوبة على الدولة، أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، التي باتت ساحة مفتوحة لخطابات التحريض والتجييش، لا سيما بين الشباب.
وسائل التواصل الاجتماعي… سلاح ذو حدين
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تسريع انتشار خطاب الكراهية، حيث نشطت مجموعات وناشطون مقربون من أطراف النزاع، في الترويج لأفكار انقسامية، مستخدمين عبارات تتّسم بالعنصرية الصريحة، وإطلاق أحكام جماعية تجاه مكونات بعينها.
ويقول ناشط مُجتمعي طلب حجب اسمه لــ(سودانس ريبورترس): ما نشهده هو تجييش إعلامي ممنهج، لا يقف عند حدود الرأي، بل يتجاوزها إلى التحريض المباشر على القتل والانتقام، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والوطنية.
وأشار إلى أن بعض الجهات تستخدم أفراداً غير مفوضين للحديث باسم القبائل والمجتمعات المحلية، وتغريهم بمبالغ مالية مقابل نشر محتوى يتسم بالكراهية والتفرقة، مضيفاً أن نتائج هذا التحريض ظهرت في عدد من المجازر والانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين في مناطق متفرقة من البلاد.
من جهته أكد الصحفي السوداني وائل محجوب في ورقته الموسومة بعنوان “خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي .. مهدات وحدة البلاد” التي قدّمها بمؤتمر الإعلام السوداني الذي نظمته نقابة الصحفيين السودانيين بالقاهرة في سبتمبر 2024، حيث قال: “وتُجسد حرب الخامس عشر من أبريل نموذجاً لما يمكن أن يفضي إليه استشراء خطابات الكراهية من عنف واحتراب ودمار، وتفكيك للنسيج الاجتماعي، والإضرار بوحدة الوطن. فقد تمددت خطابات الكراهية على خلفية الانتهاكات الجسيمة التي تشهدها الحرب، بلا سقف ولا ضابط، لتصل إلى حد التحريض على القبائل والمجموعات المختلفة، تحت ذريعة أنها تشكل حواضن للجيوش المتحاربة”. وقد عزز من ذلك خطابات دأب على بثها جنود من ميادين القتال، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحمل ذات النعرات، بالإضافة إلى ناشطين على جانبي الصراع استغلوا حالة الغبن العام الناتجة عن فظائع الحرب، للترويج لخطابات الكراهية، وشن هجمات منظمة على أسس قبلية، وإطلاق دعوات لاستئصال الآخر وإبادته.
وبخلاف ما تحمله هذه الخطابات من مخاطر تنذر بانزلاق نحو احتراب أهلي شامل، فإنها أيضاً تندرج ضمن جرائم الحرب، وفق التعريفين الدولي والوطني بشكل مباشر.
وأضاف لقد سبقت هذه الحرب، قبيل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، نذر احتراب أهلي، شملت عشر ولايات داخل السودان، قامت جميعها على تغذية مستمرة عبر منابر إعلامية، وتحريض على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، لخطابات الكراهية والتأليب القائم على أساس العرق والإثنية… وقد تم لتحقيق ذلك بعثُ خلافات تاريخية بين القبائل، وترويج لحملات تضليل وأخبار كاذبة، فكانت النتيجة اندلاع احتراب أهلي سقط بسببه مئات القتلى والجرحى، وحدث تهتُّك في نسيج علاقات قبلية كانت راسخة في السلم لسنوات.. وكانت تلك بمثابة “بروفة” للمحرقة الكبرى التي انزلق إليها مجمل الوطن في أبريل 2023.
أوجه الشبه مع رواندا… وتحذيرات من تكرار الكارثة
ولا يخفي كثيرون خشيتهم من أن يؤدي تفشي خطاب الكراهية إلى تكرار سيناريوهات مأساوية شهدها العالم، مثل الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، والتي كانت نتيجة مباشرة لتغذية التحريض العرقي عبر وسائل الإعلام.
وفي النموذج السوداني، سجلت منظمات حقوقية محلية ودولية وقوع انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في عدد من المناطق، خاصة غرب البلاد، نتيجة التحريض المستمر والتعبئة الجهوية، ما دفع خبراء قانونيين إلى دق ناقوس الخطر والمطالبة بتحرك قانوني عاجل.
في إفادات متطابقة أدلى بها عدد من المواطنين لـــ(سودانس ريبورترس)، حذّروا من تنامي مشاعر العداء والكراهية على خلفيات عرقية وإثنية، وسط تحريض متصاعد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وغياب واضح للردع القانوني، أو لأيّ خطاب تهدئة من قبل الجهات الرسمية والمجتمعية.
وقالت سامية عبد الله، نازحة من مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور: “ما يجري يفوق التصور، القتل يتم بناءاً على الهوية القبلية، وهناك من يبرر تلك الأفعال عبر منشورات يومية على مواقع التواصل. لم أعد أشعر أنني أنتمي إلى هذا البلد، وكأننا أصبحنا غرباء داخل وطننا”.
وفي جنوب كردفان، روى عبد الرحيم سليمان مشاهداته قائلاً: “رأيت جيراني يُقتلون فقط لأنهم ينتمون إلى قبيلة معينة. لم يكن هناك أي نزاع مباشر، فقط انتماؤهم العرقي كان كافياً لاستهدافهم. بعدها، بات الناس يتعاملون معنا بريبة، وكأننا نحمل وزر الحرب بأكملها”.
وفي سياق متصل، قالت عفاف محمود، وهي معلمة نازحة إلى مدينة بورتسودان: “كان الأطفال في السابق يرددون أناشيد وطنية، واليوم أسمعهم يكررون كلمات وعبارات مليئة بالحقد والكراهية. هناك شيء خطير يتسلّل إلى عقول الصغار، نتيجة ما يبث في الفضاء الرقمي من عنف وكراهية”.
وأضاف صالح آدم، من سكان شمال دارفور، أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت ساحات مفتوحة للثأر القبلي … هناك من يدعو إلى الإبادة الجماعية صراحة، دون مساءلة أو رقابة .. الناس أصبحوا أكثر انفعالاً، وأقل قدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية التحريضية.
من جانبها، حذرت فاطمة النور، ناشطة في مجال حقوق المرأة، من تصاعد خطاب الكراهية الموجّه ضد النساء في بعض المناطق، قائلة: “رصدنا حملات ممنهجة تستهدف نساء من إثنيات بعينها، وتصفهن بعبارات مهينة تصل حدّ الدعوة إلى طردهن أو إيذائهن، في سابقة لم نألفها بهذا الشكل من قبل”.
وشدد هؤلاء المتحدثون والمتحدّثات على أن استمرار تجاهل هذه الظاهرة قد يقود البلاد إلى مزيد من التفكك، ويغذّي احتمالات الانتقال من الاحتراب السياسي، إلى صراع أهلي واسع النطاق، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة في أقرب وقت.
غياب الإطار القانوني
رغم خطورة الوضع، يشير مختصون إلى غياب تشريع واضح يجرّم خطاب الكراهية في السودان، إضافة إلى ضعف مؤسسات إنفاذ القانون، وتراجُع دور النيابة العامة، في ملاحقة المتورطين.
ويؤكد المحامي المعز حضرة ، أن القانون السوداني الحالي لا يتضمن تعريفاً دقيقاً لخطاب الكراهية، كما أنه لا يفرض عقوبات رادعة على المحرضين، مضيفاً أن تحديث التشريعات أصبح ضرورة مُلحّة، لا سيّما في ظل تصاعد الاستخدام الخاطئ لمنصات التواصل الاجتماعي.
خارطة طريق للمناهضة
ويقدم خبراء في المجال الحقوقي جملة من المقترحات لمناهضة خطاب الكراهية في السودان، أبرزها:
إصدار قانون شامل يُحرّم ويُجرِّم خطاب الكراهية، والتحريض على أساس العرق أو الدين أو الجهة أو النوع الغجتماعي، مع فرض عقوبات مغلظة.
تفعيل دور الإعلام الوطني كمؤسسة لبناء السلام الاجتماعي، عبر إنتاج محتوى توعوي هادف، ومراقبة الخطاب الإعلامي الرسمي والخاص.
إصلاح المناهج التعليمية لتعزيز مفاهيم المواطنة، والتنوع، وقبول الآخر، والتخلص من المضامين التي تغذي الانقسام الجهوي أو العنصري.
تأسيس نيابات ومحاكم متخصصة لملاحقة جرائم الكراهية، خاصة تلك التي ترتكب عبر الفضاء الرقمي.
مخاطر الفضاء الاسفيري
ويشير وائل محجوب في ذات الورقة المار ذكرها: ” بالإمكان محاصرة خطاب الكراهية في الصحف والمواقع الإخبارية الرسمية من إذاعة وتلفزيون ومواقع إلكترونية، وإلزامها بالقوانين ومحاكمتها في حال خرقها. لكن من دون هذا النوع من الخطاب، غير أن المهمة تزداد صعوبة في ظل تمدد مساحات عمل وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة النشر عليها، وأثرها الكبير والخطير على المتلقين بمعلوماتها التي تفتقر في كثير من الأحيان للتدقيق المهني، والتأكد من القصص الإخبارية، وخطأ الشائعات.
ويمثل تزايد المحتوى الإلكتروني الذي يحرض على الكراهية مع ظهور معلومات مضللة، اعتماداً على سهولة النشر، وإمكانية إخفاء الهوية، خطراً كبيراً على أساسيات النشر الإعلامي، حيث يمنح هذا الفضاء المفتوح من يؤمنون بالكراهية حسابات مجهولة غطاء للتخفي هرباً من الملاحقة القانونية، وهو ما يثير تحديات غير مسبوقة، ويفتح الباب لتوسيع نطاق خطاب الكراهية عبر الإنترنت، ومشاركته بسهولة، وبتكلفة منخفضة، مع القدرة على الوصول إلى جمهور ضخم ومتنوع في وقت وجيز، مما يشكل عقبة أمام جهود مراقبة ورصد ومحاصرة خطاب الكراهية بسبب النطاق الواسع للانتشار، وتوسع الفاعلين فيه، مع إمكانية النشر في وقت وجيز، مما يجعل منه منبراً واسع النطاق لتوسيع خطاب الكراهية، بسبب شكل التفاعل فيه، وغياب الرقابة الفعالة، مما يضع أمام بقائه ومحاصرته تحديات متقدمة، على الرغم من اتفاق الجميع على خطورته.
تحديات أمام السلام المجتمعي
في ظل هذه الأوضاع، يرى مراقبون أن مواجهة ومكافحة خطاب الكراهية، تتطلب إرادة سياسية قوية، ومشاركة فعالة من المجتمع المدني، إلى جانب تهيئة مناخ يسمح بحرية التعبير المسؤولة، دون التفريط في محاسبة دعاة التحريض والعنف.
وتختتم الناشطة الحقوقية رحاب مبارك حديثها قائلة: “لن يتحقق السلام في السودان ما لم يتم تفكيك منظومة الكراهية، وتجفيف منابعها القانونية والإعلامية والتعليمية، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة، واحترام وتعزيز التنوع”.




