اخبارالسودانتقاريرسلايدر

من الفاشر إلى بريمة رشيد: رقعة الموت تتسع في دارفور وكردفان

الهجمات ضد تجمعات سكانية غير مسلحة، لا يمكن تبريره بمصادفة أو خطأ عسكري، بل، يُعد قرينة على وجود سياسة ممنهجة تستهدف إهلاك المدنيين

من الفاشر إلى بريمة رشيد: رقعة الموت تتسع في دارفور وكردفان

الهجمات ضد تجمعات سكانية غير مسلحة، لا يمكن تبريره بمصادفة أو خطأ عسكري، بل، يُعد قرينة على وجود سياسة ممنهجة تستهدف إهلاك المدنيين

تقرير: محمـد عبد الحفيظ: خاص: سودانس ريبورترس … 7 أغسطس 2025

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، يعيش ملايين المدنيين في السودان تحت وطأة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وانهيار كامل لمنظومة الحماية الأساسية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني. فقد شهدت البلاد موجات متكررة من القتل العشوائي، والتطهير العرقي، والعنف الجنسي، والنزوح القسري، والتجويع الممنهج، واستهداف المرافق الصحية والتعليمية، في مختلف المناطق، من دارفور إلى الخرطوم، ومن الجزيرة إلى كردفان.

قال نشطاء سودانيون، الإثنين، 4 أغسطس 2025، إن قوات الدعم السريع قتلت ما يقرب من 300 شخص في هجمات متفرقة بولاية شمال كردفان، بدأت يوم السبت، في سياق تصعيد دموي يُضاف إلى سجلها الحافل بالانتهاكات منذ اندلاع الحرب في السودان.

وقالت منظمة “محامو الطوارئ” الحقوقية في بيان، إن قوات الدعم السريع نفّذت هجمات واسعة على قرى متاخمة لمدينة بارا، الخاضعة لسيطرة نفس القوات، مما أسفر عن وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى، واعتقالات واسعة في صفوف المدنيين.

وفي موازاة ذلك، أفادت الهيئة الحقوقية نفسها، بارتكاب القوات ذاتها مجزرة مروعة في قرية “قرني” شمال غرب مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، السبت، 2 أغسطس، أسفرت عن مقتل 14 مدنيّاً على الأقل، وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة.

وأشارت الهيئة إلى أن المجزرة جاءت في أعقاب محاولة الضحايا مغادرة الفاشر هرباً من الحصار والمعارك المتصاعدة في المدينة، ووصفتها بأنها “جريمة بشعة تتحمل الدعم السريع كامل المسؤولية عنها”.

وذكرت أن قرية قرني تُعد من نقاط التموين الحيوية لمدينة الفاشر، وأن قوات الدعم السريع فرضت داخلها منذ مايو 2025 قيوداً مشددة شملت منع الحركة وتعطيل الإمدادات والمساعدات، مما جعلها واحدة من أخطر مناطق العبور للمدنيين الفارين.

وقُتل 27 شخصاً، وأُصيب 43 آخرون بجروح خطيرة في هجوم دموي شنّته قوات «الدعم السريع» الأربعاء، على قرية بريمة رشيد شمال مدينة النهود بولاية غرب كردفان، وفقاً لما أعلنته شبكة أطباء السودان في بيان صحفي الخميس 24 يوليو،2025.

وبحسب البيان، فإن القوة المهاجِمة استهدفت السكان العزّل داخل منازلهم، في مشهد وصفته الشبكة بأنه «يُعيد إلى الأذهان أفظع الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية»، مؤكدة أن الضحايا شملوا نساءاً وأطفالاً وشيوخاً.

وطالبت الشبكة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الانتهاكات وفتح ممرات إنسانية لإنقاذ المدنيين في مناطق سيطرة الدعم السريع.

وتُعزز هذه الجريمة الجديدة الصورة القاتمة لانتهاكات حقوق الإنسان في السودان، وتُضاف إلى سلسلة من الهجمات الممنهجة التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية في مناطق النزاع، بدءاً من الخرطوم مروراً بدارفور والجزيرة ووصولاً إلى كردفان. كما تطرح، إلى جانب وقائع الهجمات على مناطق بارا والفولة وأبو زبد، تساؤلات جوهرية حول منهجية استهداف السكان، وتكرار هذا النمط رغم وضوح الحماية التي يُفترض أن يتمتع بها المدنيون بموجب القانون الدولي الإنساني.

في 15 يوليو الماضي، وثّق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في مناطق بارا والفولة وأبو زبد بولايات كردفان، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 300 مدني خلال أربعة أيام فقط (من 10 إلى 13 يوليو)، بينهم أطفال ونساء حوامل، إضافة إلى قصف مدرسة تؤوي نازحين، ونهب قرى، وحرق منازل، وتدمير ملاجئ. وبسبب تدهور الوضع الأمني وانقطاع الاتصالات، لا تزال الأعداد الحقيقية للضحايا غير معروفة.

ويثير هذا النمط من الاستهداف تساؤلات ملحة حول ما إذا كنا أمام سياسة ممنهجة لإرهاب السكان المدنيين، خصوصاً مع تكرار مشاهد مماثلة في دارفور والخرطوم وولاية الجزيرة، وتوسع مسرح الجرائم ليشمل مناطق كانت حتى وقت قريب بمنأى نسبياً عن نيران الحرب.

في ظل هذه الوقائع، تتعاظم الحاجة إلى تحقيقات حقوقية مستقلة، وتوثيق دقيق، وطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذه الانتهاكات، وأدوات رصدها، ومدى التكرار والتشابه في أنماطها، خاصة حين يتعلق الأمر باستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، التي تتمتع بحماية خاصة وفق اتفاقيات جنيف والقانون العرفي الدولي.

ورغم خطورة هذه الانتهاكات، لم يشر تقرير أوتشا أو تصريح المتحدث باسم الأمم المتحدة إلى الجهة التي نفذت الهجمات، مما يثير تساؤلات حول غياب التوثيق أو ضعف الإرادة في تحميل المسؤولية، ويفتح الباب أمام الإفلات من العقاب.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، دخل السودان في واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والأمنية، إذ تحوّلت مناطق واسعة من البلاد إلى مسرح لانتهاكات جسيمة ضد المدنيين. ومع اتساع رقعة النزاع وغياب أي أفق لحل سياسي، تصاعدت أعمال القتل العشوائي، والاغتصاب، والنهب، والهجمات المتكررة على المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني.

يقول المختص في القانون الدولي الإنساني، عبد الباسط الحاج، لــ(سودانس ريبورترس) إن الانتهاكات التي حدثت وتحدث حالياً في كردفان – من استهداف المدنيين العُزّل وعمليات النهب والسلب – تُعد خرقاً صارخاً لقواعد الحرب، وتحديداً اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بحماية المدنيين أثناء النزاعات. واعتبر أن أي مخالفة لهذه القواعد تُصنّف كجريمة حرب، مشيراً إلى مسؤولية محتملة لقوات الدعم السريع عن هذه الأفعال.

ويرى الحاج أن استهداف المنشآت المدنية، بما في ذلك المدارس التي تُستخدم كملاجئ للنازحين، بواسطة الطيران، يُعدّ انتهاكاً لمبدأ التناسب في القانون الدولي الإنساني، طالما أن هذه المنشآت تحتفظ بطبيعتها المدنية ولم تُستخدم لأغراض عسكرية.

ويضيف بأن هذا النمط من الاستهداف قد يُنظر إليه كامتداد لنهج منهجي تتبعه قوات الدعم السريع، يهدف إلى تهجير المدنيين قسرياً وتفريغ المناطق من سكانها.

تحديات أمام عمليات التوثيق

ويُحذر الحاج من التحديات الجسيمة التي تواجه عمليات الرصد والتوثيق، وعلى رأسها صعوبة الوصول إلى أماكن الانتهاكات، والانهيار شبه الكامل لشبكات الاتصال في مناطق واسعة من السودان. ويقول إن “التواصل عن بُعد يشكل تحدياً كبيراً، لكن يمكن تجاوز بعض العقبات من خلال التوثيق عبر المصادر المفتوحة، متى ما توفرت، إلا أن العديد من التحديات، خاصة الأمنية منها، تظل عصيّة على التجاوز في غياب القدرة على الوصول الميداني.”

ويقول المحامي والمختص في القانون الدولي الإنساني، سمير مكين، إن القصف العشوائي باستخدام سلاح الطيران أو المسيّرات ضد الفئات المحمية مثل المدنيين والنازحين، يُعد من الأفعال المحظورة بشكل صريح بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، وعلى وجه التحديد اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية.

ويضيف أن تكرار هذا النمط من الهجمات ضد تجمعات سكانية غير مسلحة، لا يمكن تبريره بمصادفة أو خطأ عسكري، بل، يُعد قرينة على وجود سياسة ممنهجة تستهدف إهلاك المدنيين. ويرى أن الاضطراد في هذه الأفعال – أي تكرارها وتوسعها الجغرافي – ينفي عنصر العشوائية، ويدعم الافتراض القانوني والسياسي بوجود نيّة مسبقة أو توجيه مركزي خلف هذه العمليات.

ويشير مكين إلى أن هذا النمط المتكرر، سواء في دارفور أو كردفان أو الخرطوم أو الجزيرة، قد يُرتّب مسؤولية قانونية جماعية على القادة العسكريين أو الجهات التي تُوجّه مثل هذه الهجمات، باعتبارها ترقى إلى جرائم حرب، وربما جرائم ضد الإنسانية في حال ثبوت النية والقصد العام.

ويُحذر من أن استمرار هذا السلوك في ظل غياب آليات محاسبة فعالة، يُرسّخ ثقافة الإفلات من العقاب، ويقوّض أسس الحماية الدولية المفترضة للفئات المتأثرة بالنزاعات المسلحة.

غياب المحاسبة يعمّق الأزمة

اللافت أن الجهات الأممية، رغم رصدها المكثف للوضع الإنساني وتوثيقها لبعض مظاهر العنف، لم تُسمِّ الجهة المسؤولة عن هذه الهجمات، ما يطرح علامات استفهام جدية حول مدى التزام المجتمع الدولي بمبدأ المساءلة. ويعزز هذا الغموض شعور الضحايا بالإهمال والنسيان، ويقوّض ثقة المدنيين في المنظومة الدولية برمتها.

وفي ظل اتساع رقعة الجرائم الممنهجة ضد السكان، من دارفور إلى كردفان والجزيرة والخرطوم، واستمرار العجز عن تفعيل آليات فعالة للمحاسبة أو إنشاء مسارات تحقيق مستقلة وشفافة، يتكرس واقع الإفلات من العقاب. بل ويصبح جزءًا من دورة العنف المستدامة، حيث لا رادع لمرتكبي الجرائم، ولا عدالة تلوح في الأفق للضحايا.

إن تجاهل هذا الخلل البنيوي في منظومة العدالة الدولية، وسط انهيار مؤسسات الدولة الوطنية، لا يؤدي فقط إلى تعميق المأساة السودانية، بل يبعث برسالة مقلقة مفادها أن أرواح المدنيين في النزاعات المعقدة تُعدّ أرخص من أن تُحمى أو يُنتصف لها.

 

*الصورة من الإنترنيت 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى