اخبارالسودانتقاريرسلايدر

خطاب الكراهية في السودان: سلاح الحرب الصامت

خطاب الكراهية لا يُنتج فقط انقساماً مجتمعياً، فحسب، بل، يعيد تشكيل الواقع السياسي والأمني والثقافي، على أسس مشوهة، تعمّق الانهيار وتُصعّب التعافي

خطاب الكراهية في السودان: سلاح الحرب الصامت

خطاب الكراهية لا يُنتج فقط انقساماً مجتمعياً، فحسب، بل، يعيد تشكيل الواقع السياسي والأمني والثقافي، على أسس مشوهة، تعمّق الانهيار وتُصعّب التعافي

 

تقرير: محمـد عبد الحفيظ – خاص (سودانس ريبورترس) … 4 أغسطس 2025

منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان، لم تقتصر أدوات الصراع على البنادق والدبابات، بل امتدت لتشمل خطاباً عنيفاً متجذراً في التحريض والكراهية، تحوّل هذا الخطاب تدريجياً إلى أداة تعبئة حربية تستخدمها أطراف النزاع كوسيلة للتحشيد والتجنيد، سواء بشكل علني أو ضمني… ومع مرور الوقت، خرج الخطاب من دوائر النخب السياسية والعسكرية ليتمدد في الفضاء الاجتماعي، ويُعاد إنتاجه داخل المجتمعات المحلية كجزء من اللغة اليومية والعلاقات المتوترة.

هذا التمدد لا يُفهم بمعزل عن البنية التاريخية للعنف في السودان، حيث غذّى غياب القوانين الرادعة وغياب العدالة، بيئةً حاضنة لانتشار التمييز والخطاب العنصري، خاصة مع استخدام مفردات تحقيرية ومناطقية تُكرّس الانقسام وتُسوّغ الإقصاء.

من الواقع الرقمي إلى العنف الميداني

أسهمت منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة “اللايفات”، في مضاعفة تأثير خطاب الكراهية، إذ تحوّل الخطاب من منشورات عابرة إلى موجات منظمة من التحريض الممنهج، غالباً ما تتزامن مع تحركات عسكرية أو حملات إعلامية سياسية… وأصبحت بعض هذه المنصات أشبه بـ”غُرف عمليّات” مفتوحة تبث الكراهية، وتُعيد إنتاج العنف بلغة رقمية، تصل أحياناً إلى تهديدات مباشرة، وتحريض على القتل، أو التشريد.

خطاب الكراهية كأداة تعبئة وامتداد للعنف الرسمي

يرى الباحث الباحث في دراسات السلام والإعلام عباس التجاني، أن خطاب الكراهية يُستخدم كأداة ممنهجة من قبل أطراف الحرب في السودان، لأغراض التعبئة والتحشيد، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ممارسة اجتماعية تلقائية تتغذى على العنف الرسمي، وتعيد إنتاجه داخل المجتمع… ويلاحظ التجاني أن جميع المجموعات المسلحة المنخرطة في النزاع تستخدم أدوات تعبوية تنطوي على خطابات شعبوية، مناطقية، وأحياناً ذات طبيعة إثنية، لا تخلو من نزعات عنصرية أو تحقيرية.

ويؤكد في حديثه لـ(سودانس ريبورترس” أن كل الأطراف المتحاربة تمارس، بدرجات متفاوتة، أشكالاً من التحيُّز والخطاب التحريضي، الذي يهدد كرامة الخصوم، وينزع عنهم إنسانيتهم… ويمكن ملاحظة هذا بوضوح، في أداء الفاعلين الداعمين لأطراف النزاع و”المؤثرين” على منصات التواصل الاجتماعي، والذين يتبنون وجهات النظر التعبوية، ويدافعون عن مواقف الأطراف المتحاربة تحت شعارات سياسية أو مناطقية أو حتى دينية.

يمتد هذا النمط التعبوي أيضاً إلى قيادات الصف الأول في أطراف النزاع، إذ تتضمن خطاباتهم العلنية – سواء في المناسبات الرسمية مثل أعياد الاستقلال، أو في اللقاءات الجماهيرية – مفردات تنطوي على دلالات كراهية، تُمرّر ضمناً وتُستقبل من الجمهور كرسائل تعبئة مشروعة… كما أن الصراع على المشروعية بين الأطراف المتقاتلة، يساهم في إنتاج مزيد من الخطابات الإقصائية والتحريضية.

ويضيف التجاني أن بعض الجهات المتورطة في النزاع تستند كذلك إلى الموروث الشعبي والمفردات الثقافية المحلية، أو تعبّر عن رؤاها من خلال أطر أيديولوجية تعكس “فكرة محددة”، ما يعزز من حضور خطاب الكراهية كمكوّن أصيل في سردياتها التعبوية.

غياب القوانين الرادعة

يشير التجاني إلى أن القوانين السودانية، وعلى رأسها القانون الجنائي السوداني، تناولت قضايا التحريض وخطاب الكراهية، من زوايا محدودة، ومرتبطة غالباً بالأطر السلطوية. فغالباً ما يُستخدم تجريم “إثارة الكراهية والنزعات القبلية” للتحكم في الخصوم السياسيين، كما حدث في فترات الحكم الشمولي، ولا سيما خلال عهد الإسلاميين. أما قانون جرائم المعلوماتية، والذي شهد تعديلات خلال الفترة الانتقالية، فقد ظل أداة تقييدية تتقاطع مع حقوق الإنسان وحرية التعبير.

بالمجمل، يقول التجاني أنه لا توجد مادة قانونية واضحة تُجرّم “جريمة الكراهية” صراحة، في القانون الجنائي السوداني، ما سمح بتطبيع هذا الخطاب، وتغلغله في الحياة اليومية والسياسية.

اللايفاتية”: تحريض مُدرّ للأرباح

يلعب “اللايفاتية” – ناشرو البث المباشر على وسائل التواصل – دوراً رئيسياً في تغذية وانتشار خطاب الكراهية، كما يرى التجاني. فبالنسبة لكثيرين منهم، أصبح هذا الخطاب مصدراً للربح والتأثير، ما خلق بيئة إعلامية مُضللة، ومُشبّعة بالمعلومات الزائفة، والتحليلات الملفقة، خاصة على منصة فيسبوك.

هذه المواد تلبي – بحسب التجاني – حاجة نفسية ومعلوماتية لدى المتابعين في ظل النزاع، لكنها تساهم في المقابل، في إنتاج كراهية مضادة، وتغذي التوترات المجتمعية والسياسية. وتكمن خطورتها في قدرتها على التأثير في قرارات الأفراد، وتشكيل مواقفهم تجاه مجريات الحرب، انطلاقاً من رسائل غير دقيقة أو مقطوعة من سياقها.

اللغة: من الثقافة اليومية إلى قاموس الحرب

يلاحظ التجاني أنه مع تصاعد الحرب، ظهرت مفردات ومصطلحات ذات دلالات محلية/بيئية أصبحت جزءاً من الخطاب السياسي المتداول، بما في ذلك في وسائل الإعلام، وعلى لسان الفاعلين السياسيين. ومع أن هذه المفردات تنبع من السياق الاجتماعي والثقافي، إلّا أن دلالاتها الجديدة تنطوي على معاني تمييزية وتحريضية.

ويمكن للمتابع لمسار النزاع وفقا للتجاني، رصد دخول هذه الكلمات إلى القاموس العام لتشكّل جزءاً من الثقافة السياسية الراهنة، وتحمل في طياتها مضامين من الكراهية والاستفزاز. كما أن الصدامات المباشرة بين المليشيات المختلفة على الأرض، تولّد بدورها خطاباً تحريضياً ينعكس على الخطاب السياسي، والنقاش العام في الساحة الإعلامية.

في سياق محاولاتها للحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية، تلجأ أطراف النزاع، بحسب التجاني، إلى تصدير أزماتها الميدانية نحو خصوم خارجيين، أو توجيه خطابها نحو أطراف مدنية أو سياسية، وذلك بهدف رفع معنويات مقاتليها، والتقليل من وقع الضغوط العسكرية، أو السياسية، التي تواجهها، يضيف الباحث في دراسات السلام والإعلام عباس التجاني.

ويشير إلى أن خطابات الكراهية ليست جديدة على المجتمع السوداني، بل هي متجذرة في الثقافة السياسية العامة، وبعض أنماط الإنتاج الإبداعي – كالنكات، والأغاني، والحكايات الشعبية – والتي كرّست سرديات عن الآخر المختلف… ولذلك، فإن التعامل الجاد مع هذا النوع من الخطاب لا يقتصر على سن القوانين، بل يتطلب معالجة ثقافية عميقة، ومواجهة واضحة لهذه المرويات وأشكالها، تعريةً وتنظيماً وتشريعاً لعلاقات اجتماعية وسياسية أكثر إنصافاً.

اللافت في تمدد خطاب الكراهية، هو تأثيره العميق على الأطفال واليافعين، خاصة في الشتات. هناك جيلٌ جديد من السودانيين ينشأ في بيئة مُحمّلة بالخوف والانقسام، حيث تؤثر المواقف السياسية، والعنصرية على العلاقات اليومية بين الأسر، داخل المدارس، وفي الحياة العامة. كثيرون منهم باتوا يعانون من فقدان اللغة أو الانتماء، ويفشلون في بناء صداقات مستقرة، أو يعانون من صراعات هوية متفاقمة.

يقول أستاذ علم النفس بجامعة بحري، عبدالله آدم الشوالي، إن الأطفال السودانيين في المهجر، يعيشون تحت تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة بسبب الحرب، مشيراً إلى أن لغتهم وسلوكياتهم وحتى شكل صداقاتهم، تأثرت بشكل ملحوظ منذ اندلاع النزاع.

ويضيف: حرب 15 أبريل 2023 أحدثت “تغييراً كبيراً” في عالم الأطفال، ليس فقط على مستوى الأمان الجسدي، بل في بنية الشخصية، إذ “تغيرت ألعابهم ولغتهم، وصاروا يتحدثون بلغة حرب”.

ومع احتدام النزاع وتعمق الاستقطاب العسكري والسياسي، برز خطاب الكراهية كأحد أكثر ملامح الحرب فتكاً وأكثرها ظهوراً في الفضاء العام. إذ لم تعد الانتهاكات تقتصر على القتل والدمار المادي، فحسب، بل، عبر موجة متصاعدة من التحريض العرقي والمناطقي في وسائل الإعلام، ومنصات ووسائط التواصل الاجتماعي، وحتى داخل التجمعات المجتمعية.

يقول الشوالي، موضحاً أن الأطفال في دول اللجوء، أصبحوا يواجهون صدمات مضاعفة، نتيجة احتكاكهم بثقافات جديدة، ومجتمعات غريبة، إلى جانب تأثُّرهم بالمحتوى الرقمي العنيف المتداول بكثافة.

ويحذر من أن هذا التراكم قد يقود إلى اضطرابات نفسية واضحة، مثل التبول اللاإرادي والانطواء والتنمر، مضيفاً أن بعض الأطفال “ينكصون” إلى مراحل سابقة من الطفولة، ما يؤثر على نضوجهم النفسي ويخلق شخصيات مترددة، أو ذات ميل للعنف.

ويشير إلى أن الحرب، وما صاحبها من تصعيد في خطاب الكراهية، تركا أثراً بالغاً في العلاقات الاجتماعية بين الأطفال، إذ أصبح بعضهم يرفض الآخر بناءاً على انتماءات مناطقية، أو اجتماعية. كما باتت كلمات مثل “بل بس”، و”جغم”، و”شفشفة” جزءاً من مفرداتهم اليومية، ما يعكس التأثير المباشر للخطاب العنيف، على تكوينهم اللغوي والنفسي.

ويخلص الشوالي، بالتأكيد على أن الأطفال لم يكونوا بمنأى عن السياسة، حتى قبل الحرب، مستشهداً بمشاركتهم في الثورة، واعتصام القيادة العامة عام 2019، ما جعلهم أكثر تعرضاً لتسييس الطفولة، وتفكك النمو الطبيعي، على حد تعبيره.

لا يبدو خطاب الكراهية في السودان مجرّد أثر جانبي للحرب، بل أحد محركاتها الخفية، وأدواتها الأكثر فتكاً، إذ يتغذى على العنف ويتغذّى به. فهو لا يُنتج فقط انقساماً مجتمعياً، فحسب، بل، يعيد تشكيل الواقع السياسي والأمني والثقافي، على أسس مشوهة، تعمّق الانهيار وتُصعّب التعافي.

الصورة من الإنترنيت (المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف “بتصرف”)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى