اخبارالسودانتقاريرسلايدر

رصاص على الكلمة، وترهيب للحقيقة!!

صوت الحق في مرمى النيران: من يُدافع عن المدافعين، وهُم رُسل الأمل، فى زمن اليأس !!

رصاص على الكلمة، وترهيب للحقيقة!!

صوت الحق في مرمى النيران: من يُدافع عن المدافعين، وهُم رُسل الأمل، فى زمن اليأس !!

تقرير: حسين سعد ….. خاص (سودانس ريبورترس) … 21 يوليو 2025

في قلب المعاناة التي يعيشها السودان اليوم، ومع تصاعد وتيرة الحرب والإنهيار المؤسسي، تبرز مأساة صامتة تطال أولئك الذين إختاروا، أن يكونوا صوتاً للحق،  وضميراً حيّاً لهذا الوطن الجريح،  إنهم المدافعون عن حقوق الإنسان – الناشطون والناشطات، المحامون والمحاميات، الصحفيون والصحفيات، والعاملون في المنظمات الحقوقية والمبادرات المدنية – الذين أصبحوا هدفاً مباشراً للانتهاكات المتواصلة، لا لشيء سوى لأنهم آمنوا بأن الإنسان، يستحق أن يُحترم، وأن تُصان حياته، وأن يُسمع صوته،  في بلدٍ أنهكته النزاعات العسكرية، والصراعات السياسية، أصبحت بيئة العمل الحقوقي محفوفة بالخطر، حيث تُمارس ضد هؤلاء المدافعين أساليب متعددة من الترهيب والتشويه والاعتقال التعسفي، بل وحتى الاختفاء القسري والتصفية الجسدية، في بعض الحالات.

ومع كل نداء يطلقونه من أجل وقف الانتهاكات، وكل تقرير يُوثّق الجريمة، وكل وقفة احتجاجية تنادي بالعدالة، يرتفع منسوب الخطر، الذي يتهدد حياتهم وأسرهم،  من الخرطوم، إلى دارفور، ومن النيل الأزرق، إلى جبال النوبة، ومن الجزيرة، الي الشمالية، ونهر النيل، وشرق السودان، إلي سنار، وسنجة، والنيل الأزرق، يواجه المدافعون عن حقوق الإنسان، قمعاً ممنهجاً تقوده أطراف متعددة، تشمل السلطات العسكرية، وقوات الدعم السريع، وتزداد المأساة تعقيداً حين يُحاصرون داخل مجتمعاتهم، بالصمت والخوف والخذلان، فلا يجدون من يواسيهم، ولا من يحمي ظهورهم، ورغم كل ذلك، فإن هؤلاء الأبطال المجهولين يواصلون نضالهم في الظل، يكتبون الشهادات، يوثقون الجرائم، يداوون الجراح بالكلمات، ويقاومون بوسائل سلمية، وسط العاصفة، قصصهم لا تُروى كثيراً، لكن، صمودهم يُلهم، وتضحياتهم ترسم معالم مستقبلٍ أكثر عدلاً وكرامة، فهم ليسوا مجرد مراقبين، بل شهودٌ على عصر الدم والقهر، وصنّاعٌ حقيقيون للتغيير.

حقوق الإنسان تحت الحصار

 في هذا التقرير، نسلط الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها (المدافعون عن حقوق الإنسان في السودان)، نستعرض أنماط العنف المسلط عليهم، ونسبر عمق التهديدات التي تحاصرهم، ونرفع الصوت عاليًا للمطالبة بحمايتهم، لأن حماية من يدافع عن الحقوق، هي أول خطوة في طريق استعادة الحقوق نفسها.  إن الانتهاكات التي تطال المدافعين عن حقوق الإنسان في السودان، لا تحدث في فراغ، بل تأتي في سياق من ثقافة الإفلات المستمر من العقاب، وتآكل مؤسسات العدالة، وتسييس أجهزة الدولة، وتفاقم عسكرة الفضاء العام…  لقد أصبح الدفاع عن الضحايا جريمة، والسعي لكشف الحقيقة يُقابل بالقمع، والحديث عن العدالة يُعد تمرداً، يُقابل بالقمع، والمزيد من الاستهداف والإنتهاكات.

 في ظل هذا الواقع، تحوّلت مكاتب المحامين إلى ساحات ترهيب، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي مصائد للناشطين، ومقرات المنظمات المدنية، إلى أهداف للمداهمة أو المصادرة…أعداد كبيرة من المدافعين والمدافعات اضطروا إلى الهروب من مناطق النزاع، حفاظاً على حياتهم، بينما اختار آخرون البقاء في قلب الخطر، متحدّين الرصاص والملاحقات، ومصرّين على أن لا يكونوا شهود زور، في بلدٍ تُزهق فيه الأرواح بلا محاسبة…  كثير منهم يواصلون العمل في السر، يتنقلون بين البيوت، يخفون هوياتهم، ويواجهون الخيانة والخذلان من بعض الأقربين، فقط، ليضمنوا إستمرار علو صوت الضحايا، وحقّه في الوصول إلى العالم، وصورة القهر، في أن تُرى، رغم محاولات الطمس.

السودان والضمير المطارد

وقال عدد من المدافعين  عن حقوق الإنسان، في حديثهم لـ(سودانس ريبورترس) إن الأطراف المتصارعة تستخدم أساليب قمعية لإسكات الأصوات المستقلة، لا سيما، تلك التي توثق الانتهاكات، أو تطالب بمحاسبة المسؤولين عنها، ورددوا (من المستحيل العمل في مجال حقوق الأنسان، داخل مناطق النزاع، وكل من يحاول التوثيق، أو حتي إيصال صوت الضحايا، يصبح مستهدفاً) … هنالك تهديدات طالت مدافعين عن حقوق الإنسان، ومن جهته قال المحامي، والمدافع عن حقوق الانسان، أمير محمد سليمان، في حديثه مع (سودانس ريبورترس) إن المدافعين عن حقوق الإنسان، مثل المحاميين والصحفيين والناشطين، وأعضاء غرف الطؤاري، ومتطوّعي التكايا، وغيرهم ظلوا يتعرضوا لإنتهاكات عديدة، منها القتل، والإعتقال،  وهنالك تقارير عديدة موثقة، تكشف تلك الإنتهاكات.

 وأضاف أمير محمد سليمان، عقب حرب منتصف أبريل 2023، تزايدت وتيرة الإنتهاكات، وأشار أمير أن مركبات، وفرق عمل بعض المنظمات العالمية، تعرضت لإطلاق نار، فضلاً عن إعتقال، ومحاكمة بعض المدافعين، في مناطق سيطرة القوات المسلحة، ويتم إتهامهم بالتعاون مع الدعم السريع، بينما توجد إنتهاكات مماثلة في مناطق الدعم السريع، ولا توجد معلومات كافية عنها.

قال المحامي  والمدافع عن حقوق الإنسان عبد الباسط الحاج، في حديثه مع (سودانس ريبورترس) إن السودان به تاريخ تليد من الانتهاكات، التي تطال حريات المدافعين عن حقوق الإنسان، وظلت الأنظمة المتسلطة، تمارس تلك الإنتهاكات، لاسكات أصوات المدافعيين والسياسيين، وإتفق الحاج مع ما ذكره أمير سليمان، حول وجود إنتهاكات تُمارس من قبل طرفي الحرب علي المدافعيين، والمدافعات، عن حقوق الإنسان، تشمل القتل، والاختطاف، والاعتقال، والمنع من السفر، والمنع الكتابة، كما كان يحدث للصحفيين والصحفيات والبلاغات الكيدية فى فترة حكم الإنقاذ.

المدافعون بلا حماية

  وكان المرصد السوداني لحقوق الإنسان قد كشف  في تقرير حديث صدر مؤخراً عن تصاعد الانتهاكات التي تطال المدافعين عن حقوق الإنسان، رجالاً ونساء، في السودان في مختلف أنحاء البلد، ووثق التقرير الصادر بعنوان (مدافعون بلا حماية) أنماطاً واسعة من الإنتهاكات، بحق المدافعين، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب الجسدي والنفسي، إلى جانب الاستهداف الرقمي… وأكد المرصد أن هذه الانتهاكات تتم بشكل منظم، وبتواطؤ من الممسكين بزمام الأمور، في مناطق النزاع، كما أبرز التقرير عدداً من الحالات، من بينها مقتل المحامي صلاح الدين الطيب موسي تحت التعذيب في أحد مراكز الإعتقال، بولاية الجزيرة، وإعتقال الشيخ عبد الرازق سليمان، بعد حديثه في أحد المساجد، عن تدهور الأوضاع الإنسانية في دارفور، كما أشار إلى تعرض العشرات من النشطاء والناشطات، لملاحقات وإحتجازات تعسفية دون توجيه تهم رسمية.

 

في وطنٍ تُهدر فيه الكرامة على قارعة النزاع، ويُطارَد فيه صوت الضمير، كما يُطارَد الخارج عن القانون، يبقى المدافعون عن حقوق الإنسان، هم الشعلة الأخيرة، في هذا الظلام المتكاثف… هم ليسوا حملة أوراق وبيانات فقط، بل جنود الحقيقة، ورسل الأمل، في زمن اليأس. إن حمايتهم ليست ترفاً ولا مطلباً نخبويّاً، بل هي خط الدفاع الأول عن المجتمع كله، عن أطفاله، ونسائه، ونازحيه، ومقهوريه، وما لم تتم محاسبة من ينتهك حقوقهم، ويلاحقهم، ويكسر أقلامهم، فإننا نُمهِّد الطريق لمزيد من الجرائم، ومزيد من الصمت القاتل. فكل مدافع يُغتال، أو يُعتقل، أو يُشوَّه، هو ضحية، وسيناريو متكرر يهدُف لجعل الشعوب تفقد صوتها الأخلاقي الأخير… ليكن هذا النداء بمثابة وقفة تأمل، وصرخة مقاومة، بأن من يدافع عن حقوق الآخرين، يجب أن لا يُترك وحيداً في المعركة، فالدفاع عن المدافعين، هو دفاعٌ عن المستقبل، وعن السودان الذي نحلم به… حُرًّا، عادلاً، آمناً، ويليق بأبنائه وبناته.

 

صورة المدافع الحقوقي الراحل عثمان حميدة (من موقع المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام) الذي أسسه الراحل 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى