المجاعة، القتل، النزوح.. واللجوء….الجهود الدولية.. هل تطفئ حريق السودان ؟!.
حرب السودان لم تعصف باستقرار المجتمع السوداني فقط، بل الدول المحيطة بالسودان، مما ساهم في الضغط على موارد هذي البلاد
تقرير: ماجد القوني خاص(سودانس ريبورترس) …21 يوليو 2025
(كارثة إنسانية يعيشها الشعب السوداني، ومجاعة تطرق أبوابه..) عبارة لا تبدو مثل الفزّاعة التي كان يطلقها الاقتصاديون بسبب سوء إدارة الدولة السودانية، قبل نشوب حرب الخامس عشر من أبريل 2023… الذي يتبدى الآن واقعاً مُرعباً، يعيشه الملايين من السودانيين، والحرب كأنها بدأت الآن… الأزمة الإنسانية في السودان هي الأكبر في العالم، حيث يحتاج إثنان من كل 3 أشخاص إلى المساعدة، مما يعني 30 مليون شخص، فضلاً عن نزوح أكثر من 12 مليون شخص، ومعاناة 25 مليوناً من الجوع الحاد، في ظل توقعات بأن يزداد العدد، حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
في أكبر كارثة انسانية يعيشها الشعب السوداني، نقص الغذاء والدواء في خطورتهما يتساويان مع هجمات الحرب وآلياته القاتلة، وانعدام الأمن وقصف الطيران، والدانات المُرسلة، من البُعد، وحرب “المُسيرات”، عابرة المساحات، والمسافات… التقارير تشير إلى أن حجم الكارثة، تجاوز إمكانية الوصول لطرفي الحرب، والضغط من أجل التزامهما بصون كرامة الإنسان السوداني، وتجنيبه مآلات الحرب… خيارات المعابر الآمنة لإجلاء المواطنين، لم تعد تجدي كثيراً، في ظل تمدد الحرب، وتناقص المساحات الآمنة، وتعذر إقناع الطرفين بإيصال المساعدات الإنسانية، لكل المحتاجين، فشلت المبادرات واللقاءات المعلنة، و”غير المعلنة”، رغم تزايد وتيرة مناشدات المجتمع الدولي بفتح المعابر الآمنة المُستدامة، بموافقة وقبول طرفي الحر ب، لتوصيل المساعدات.
الباحث في مجال العلوم السياسية د. الهادي حسين ذهب إلى أن الحرب كشفت عن هشاشة النظم الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية في السودان، حتى على مستوى علاقات السودان مع المجتمع الدولي… شاهدنا الكوارث التي تحدث، وكيف تعامل المجتمع الدولي معها، الذي يبدو الآن منقسماً تجاه الحرب في السودان، وتصطدم جهوده لتوصيل المساعدات بالعراقيل التي يضعها طرفي الحرب، وعدم وجود مؤسسات مسؤولة من الطرفين تضع على عاتقها الإنسان السوداني، بل، للأسف، يتم الزج به في الصراع الدائر الآن، وسط استقطابات جهوية وقبلية حادة تُعمّق من طبيعة الصراع.
ويمضي حسين إلى أن حرب السودان لم تعصف باستقرار المجتمع السوداني فقط، بل الدول المحيطة بالسودان، مما ساهم في الضغط على موارد هذي البلاد، الآن، الشركاء في المجال الإنساني بدأوا يفكرون “همساً” و”علانية”، في خطط بديلة، بعيداً عن تعنت الطرفين، ورصد حوالي (1.8) مليار دولار أمريكي لدعم (4.8) مليون شخص في أفريقيا الوسطى، تشاد، مصر، إثيوبيا، ليبيا، جنوب السودان، ويوغندا، ومساعدة الدول المضيفة، على تعزيز الخدمات الوطنية، وتنفيذ برامج، تُسهم في تحقيق الاستقرار.
خلال عامي الحرب، لم تصل المساعدات لعمق مناطق الصراع، إذ يعيش الآلاف من المواطنين نقصاً حاداً في الأدوية المنقذة للحياة، بسبب التوقف التام للمؤسسات الصحية، وتدميرها تماماً، ويعتمدون بشكل كبير على (التكايا) للحصول على الغذاء، وكل التقارير الواردة من الارض، تفيد بجفاف التكايا، وصعوبة “التغذية المالية”، لتقوم بواجبها، كما كانت، وكما ينبغي ان تكون… وفي واحدٍ من التقارير المرعبة عن تردي الأوضاع الاقتصادية، كشف – وقتها – مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في السودان (أوتشا) منذ أبريل 2025 (المنصرم)، عن توقف (70%) من أصل (1,400) مطبخاً جماعياً بسبب نقص التمويل، وتوقفت المطابخ الجماعية التي يشرف عليها متطوعون تحت تنظيم غرف الطوارئ، بعد أن دمرت الحرب الأنشطة الاقتصادية وسبل العيش، والمؤسسات والأسواق التي تعتبر المصدر الأساسي للحصول على الغذاء، عبر “التحاويل النقدية” التي توقّفت هي الأخرى، بسبب انقطاع خدمات الاتصال والكهرباء في عدد من المناطق، وعدم توافر الأمن، والمضايقات “الامنية” التى يتعرذض لها كثير من المتطوعين.
الباحث الاقتصادي د.نجم الدين عثمان، يرى أن اغلاق المطابخ الجماعية في السودان توقف عن العمل بسبب نقص التمويل، وشمل التوقف حتى المناطق التي تواجه جوعاً شديداً، وتنعدم فيها خيارات البقاء على قيد الحياة، والمئآت من الأطفال الذين لم تقتلهم الحرب، فُقدوا بسبب نقص الغذاء، وحسب (أوتشا) كانت غرف الطوارئ تعمل على تقديم الطعام والرعاية الصحية الأساسية، وهي تعتمد على جهود الخيرين، وبعض المنظمات، في ظل غياب الدولة، لكن تطاول أمد الحرب، قلل من جهود المصادر تجاه أزمة السودانيين، وتعذر وصول المؤسسات الأممية، مما يهدد حياة مئات الآلاف لخطر الموت جوعا حال توقف عمل هذه الغرف بالكامل. وهناك تقارير حديثة فى يوليو 2025 “الجاري” تؤكّد توقُّف غالبية (التكايا) و(غرف الطواريء) عن العمل، بصورة سريعة.
منظمات إنسانية تدّق ناقوس الخطر بشأن الأزمة الانسانية في السودان، مع اشتداد حِدة القتال في دارفور، ومحاصرة الفاشر واشتداد النيران على ساكنيها، وعزلها عن محيطها بصورة كاملة.
صرخات الإنسان السوداني الذي تقاذفته تداعيات الحرب بين المنافي، ومناطق نزوح، لا تبدو آمنة، ونقص حاد في السلع الغذائية، وارتفاع أسعارها، بشكل يدفع الأسر الضعيفة إلى فضاء جوع كارثي، فيما يتعرض آلاف الأطفال لخطر الموت الوشيك، وفي ظل غياب المؤسسات الرسمية في أغلب مناطق الصراع، لا إرادة تلوح في الأفق، سوى غرف الطوارئ، والتي تحتاج – طبقا (لأوتشا) – (12) مليون دولار شهرياً لاستمرار عملها في المطابخ الجماعية، في حال توافر حد أدنى من الأمن والاستقرار…
قد يبدو الأفق مُنسداً أمام انفراج الأزمة السودانية، بالرغم من أصرار الوجود الإقليمي والدولي على أنهاء الحرب في السودان… آمال كبيرة يضعها السودانيون على طاولة الجهود الدولية لوقف الحرب، ومن قبل ومن بعد إيصال العون الإنساني للمستحقين، ودون أن يصبح الجوع والتجويع أحد أسلحة الحرب الفتاكة … تُرى هل تتوافق نوايا المجتمع الدولي، مع آمال الملايين من السودانيين، أم تبتلع جهودها أمواج الحرب..؟
*الصورة من الإنترنيت




