اخبارالسودانتقاريرسلايدر

تفشي الكوليرا في السودان: متابعة للوضع الوبائي وجهود الاستجابة

رغم جهود التطعيم والمساعدات العاجلة التي قادتها منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية، واليونيسف، يظل السودان في مواجهة مفتوحة مع وباء الكوليرا، في ظل استمرار الحرب، وتضاؤل قدرات الاستجابة.

تفشي الكوليرا في السودان: متابعة للوضع الوبائي وجهود الاستجابة

رغم جهود التطعيم والمساعدات العاجلة التي قادتها منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية، واليونيسف، يظل السودان في مواجهة مفتوحة مع وباء الكوليرا، في ظل استمرار الحرب، وتضاؤل قدرات الاستجابة.

 

 تقرير: محمـد عبدالحفيظ خاص (سودانس ريبورترس) …20 يوليو 2025

منذ يوليو 2024، يشهد السودان تفشيّاً واسعاً لوباء الكوليرا الذي بلغ ذروته في عام 2025 وسط انهيار المنظومة الصحية وتفاقم الأزمة الإنسانية بفعل الحرب.

ومع مرور الوقت، تحوّل الوباء إلى واحدة من أسوأ الكوارث الصحية، حيث حصد آلاف الأرواح، وهدد حياة الملايين، خاصة، في ولايات دارفور، وكردفان، والخرطوم، والجزيرة.

وعلى الرغم من تدخلات المنظمات الدولية والجهود المحلية، لا تزال الاستجابة قاصرة أمام اتساع رقعة المرض وعمق التحديات.

ويشهد السودان منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 نزاعاً عنيفاً بين القوات المسلحة، وقوات الدعم السريع، أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والصحية في تاريخه الحديث.

وتسببت المعارك المستمرة في انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية، وتدمير المستشفيات، وتعطيل أنظمة المياه والصرف الصحي، مما خلق بيئة خصبة لتفشي الأمراض، وعلى رأسها وباء الكوليرا.

ومع اتساع رقعة النزوح الجماعي إلى مناطق مكتظة وغير مؤهلة، وتراجع الخدمات الطبية، باتت الكوليرا تهدد حياة ملايين المدنيين، في ظل عجز واضح في إمكانيات الاستجابة وندرة الدعم الدولي.

في 17 يوليو 2025، في قالت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في السودان، إن الوضع الإنساني والصحي في دارفور، وصل إلى مستوى “حرج للغاية”، مشيرة إلى تفشي وباء الكوليرا في مخيم كلمة ومنطقة طويلة، وارتفاع معدلات الجوع وسوء التغذية الحاد بين النساء والأطفال.

وقال المتحدث الرسمي باسم المنسقية، آدم رجال، عبر بيان، إن “الوضع المتدهور يودي يومياً بحياة الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، وسط ظروف معيشية قاسية وغياب شبه كامل للخدمات الأساسية”.

وأشار إلى أن انتشار الكوليرا يُهدد مئات الآلاف من النازحين الفارين من العنف في الفاشر ومخيمات زمزم وأبو شوك وأبوجا، في ظل ندرة مياه الشرب، وخدمات الصرف الصحي، مما يُسهّل انتشار الوباء.

جرس إنذار

وأضاف آدم رجال، أن القتال المستمر في الفاشر دفع بالمزيد من النازحين إلى منطقة طويلة، التي باتت تضم تجمعاً كبيراً من السكان في بيئة غير مهيّأة، معتبراً أن تفشي الكوليرا فيها “جرس إنذار” يجب أن يوقظ الضمير العالمي.

ورغم ما وصفه بـ”الجهود الكبيرة” التي تبذلها المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني والسلطات المحلية، أكد أن الأزمة “تجاوزت قدراتها”، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية، والضغط من أجل وضع حد للحرب، ووقف الكارثة التي “صنعتها يد البشر”.

وفي 26 يونيو 2025، حذّر نفس المصدر من تفاقم معاناة الأطفال في مخيم كلمة بجنوب دارفور، بسبب سوء التغذية ونقص الضروريات الأساسية، في ظل أوضاع إنسانية وصحية متدهورة يعيشها النازحون.

وقال آدم رجال إن ما يعانيه الأطفال في مخيم كلمة “ليس سوى مثال واحد على الوضع المأساوي الذي تواجهه النساء الحوامل والمرضعات والأطفال في عموم المخيمات”، داعياً الوكالات الإنسانية والجهات المانحة إلى زيادة دعمها المالي العاجل لمعالجة هذه الأزمة المتفاقمة.

وأوضح أن “الوضع حرج للغاية”، مشيراً إلى أن الجوع والمجاعة وسوء التغذية الحاد “قد يودون بحياة الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات يومياً”.

وأضاف: “أن انتشار الكوليرا “يُهدد مئات الآلاف من النازحين داخلياً، خاصة الفارين من العنف في الفاشر ومخيمات زمزم وأبو شوك وأبوجا”.

وتابع أن النازحين يعيشون “ظروفاً معيشية قاسية ومروعة”، في ظل ندرة مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي، ما يُسهّل تفشي الأمراض… كما لفت إلى أن استمرار العنف في الفاشر دفع أعداداً كبيرة من السكان للنزوح إلى منطقة طويلة، مما جعل الوضع هناك “أشبه بجرس إنذار في واحدة من أكبر التجمعات السكانية للنازحين”.

وأشار آدم رجال إلى أن موسم الخريف زاد من مخاوف النازحين بشأن تفشي الكوليرا، في ظل ضعف إمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية والمياه النظيفة… وعلى الرغم من “الجهود الكبيرة” التي تبذلها المنظمات الدولية والمحلية، قال إن الأزمة “تجاوزت قدراتها، ولم تعد كافية لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة”.

ودعا رجال كل من يؤمن بالإنسانية إلى مضاعفة الجهود، كما ناشد المجتمع الدولي تحمّل مسؤولياته الأخلاقية، قائلاً: “لقد عانى السودانيون، معاناة شديدة، من الحرب والجوع والمرض، وما زالوا يعانون. لا بد من وضع حد لهذه الأزمة المتراكمة التي خلقتها البشرية”.

وكانت الأمم المتحدة أعلنت تخصيص 5 ملايين دولار لتعزيز جهود الاستجابة لتفشي الكوليرا في السودان، في ظل انتشار الوباء في 17 ولاية، من أصل 18، وتسجيل أكثر من 87 ألف إصابة منذ يوليو 2024.

وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، إن التمويل الجديد سيمكن الأمم المتحدة من “تعزيز أنشطتها في مجالات الصحة والمياه والصرف الصحي والنظافة”، التي تُعد بالغة الأهمية لوقف تفشي المرض.

من جهته، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن الشركاء في المجال الإنساني بحاجة إلى 50 مليون دولار إضافية، للحفاظ على عمليات الاستجابة حتى نهاية عام 2025. وأشار المكتب إلى أن استمرار تفشي المرض يرتبط بالصراع الدائر، والنزوح الواسع، وانهيار أنظمة الصحة العامة والبنية التحتية للمياه.

ووفقًا لأرقام أوتشا، فإن أكثر من 84,000 حالة اشتباه، و2,100 وفاة، سُجّلت منذ يوليو 2024، منها أكثر من 33,000 إصابة، هذا العام وحده… لكن، المكتب حذّر من أن نقص الإبلاغ قد يخفي الحجم الحقيقي لتفشي المرض، مشيراً إلى أن أكثر من 33.5 مليون شخص – بينهم 5.7 مليون طفل دون سن الخامسة – معرضون لخطر الكوليرا.

وتمثل ولايات الخرطوم، الجزيرة، القضارف، والنيل الأبيض، أكثر من 70% من إجمالي الحالات المبلغ عنها، حيث سُجلت في الخرطوم وحدها أكثر من 23,400 حالة مشتبه بها، ومع ذلك، فقد شهدت الولاية تراجعًا كبيراً في عدد الإصابات، بعد تنفيذ حملة تطعيم مكثفة استمرت 10 أيام، غطّت أكثر من 2.24 مليون شخص بنسبة 96% من الفئات المستهدفة.

وقبل الحملة، وفقا لمنظمات ووكالات دولية، كانت الخرطوم تسجل ما يصل إلى 1,500 إصابة يومياً، لكن، العدد انخفض بعد انتهاء الحملة في يوليو 2025 إلى ما بين 10 و11 حالة يومياً فقط. ويُعزى هذا التراجع إلى الجهود المتكاملة التي شملت العلاج الفوري، والرصد الوبائي، والتوعية المجتمعية، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي.

رغم ذلك، فإن الكوليرا لا تزال تتفشى في معظم أنحاء السودان، خاصة في ولايات دارفور وكردفان، حيث تعيق الأوضاع الأمنية والقيود المفروضة الوصول الإنساني.

تقرير العمليات الخاص بتفشي الكوليرا في السودان الصادر بتاريخ 3 يوليو 2025، أشار فيه مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة “أوتشا” إلى أن انتشار المرض في دارفور يثير قلقاً متزايداً، في ظل تقارير عن انتقال العدوى عبر الحدود، إلى تشاد، وجنوب السودان، ما يُنذر بتفاقم الوضع إقليمياً، لا سيّما مع استمرار موسم الأمطار حتى أكتوبر، وما يرافقه من تلويث مصادر المياه.

المناطق المُحاصرة

وأكد الدكتور شبل صحباني، ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، أن فرق المنظمة تعمل ميدانياً بالتنسيق مع السلطات الصحية، لتقديم الدعم الفني والإمدادات الطبية، وتبحث خيارات، لإيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة عبر المعابر الحدودية.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، بلغ عدد الإصابات بالكوليرا في السودان منذ يوليو 2024 نحو 87,219 حالة، فيما ارتفعت الوفيات إلى 2,260 حالة، بمعدل وفاة يبلغ 2.6%… كما أُبلغ عن موجتين جديدتين من الإصابات في مارس ومايو 2025، نتيجة هجمات استهدفت شبكات الكهرباء والمياه، مما تسبب في شلل الخدمات الأساسية وزاد من تفشي الوباء.

وتبقى الاستجابة الفعالة، والتطعيم الموسع، وتحسين الوصول إلى المياه النظيفة، من أبرز الوسائل المتاحة حاليًا لمكافحة انتشار الكوليرا في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والصحية في تاريخه الحديث.

مسؤولة في مستشفى بورتسودان، أكدت لــ(سودانس ريبورتس) أن المرضى يُحوّلون مباشرة إلى مراكز العزل عند الاشتباه، وأن العلاج، يبدأ قبل تأكيد الإصابة، لضمان الاستقرار السريع.

وأضافت أن المستشفى مزوّد بالعلاجات الأساسية، وأن تعقيم الأقسام، وإجراءات الحماية، متبعة بدقّة، لكن، هناك تحدِّيات بارزة في مكافحة الذباب، خاصة في المناطق الريفية المفتوحة.

من جهتها قالت  ناشطة بشارع الحوادث في مدينة القضارف، إن الوضع الوبائي مستقر حتى اللحظة، ولا توجد مؤشرات على تفشٍّ واسع لمرض الكوليرا، مشيرة إلى أن الحالات – إن وجدت – تظل بسيطة ومحدودة.

وأضافت لــ(سودانس ريبورتس) أن “الخريف بالكاد بدأ”، ما يعني أن ذروة المخاطر لم تحل بعد، لكن، تدخلات وقائية مبكرة ساعدت على الحد من الانتشار، موضحة، أن وزارة الصحة والبلدية في القضارف، نفّذتا حملات توعية منزلية، قبل بداية موسم الأمطار، الأمر الذي ترك أثراً وقائياً ظاهراً في الوقت الحالي.

رغم جهود التطعيم والمساعدات العاجلة التي قادتها منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية، واليونيسف، يظل السودان في مواجهة مفتوحة مع وباء الكوليرا، في ظل استمرار الحرب، وتضاؤل قدرات الاستجابة… المؤشرات الميدانية، تنذر بمزيد من التدهور، خاصة مع موسم الأمطار الحالي، وتهالُك البنية الصحية والمائية.

*الصورة من الإنترنيت 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى