رغم العقبات ..هل تواصل «المحكمة الجنائية» ملاحقة مجرمي دارفور؟
التحقيقات الأولية تشير إلى استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، واستهداف المدنيين على أسس إثنية، في مناطق مثل الجنينة ونيالا وزالنجي .. وهناك توجُّه منذ مطلع هذا العام، نحو إصدار مذكرات توقيف جديدة، في ملف دارفور
تقرير: محمـد عبد الحفيظ خاص (سودانس ريبورترس) … 19 يوليو 2025
في ظل التطورات الأخيرة في ملف العدالة الدولية بشأن السودان، وخصوصاً بعد الإحاطة التي قدّمتها نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، أمام مجلس الأمن في 11 يوليو 2025، يبرز سؤال ملح: ما الذي يمكن أن تفعله المحكمة، في ظل غياب التعاون الرسمي من الدولة السودانية ؟ وهل تكفي الأدوات البديلة، للمضي قدمًا نحو المساءلة؟
نزهت شميم خان، في إفادتها، تحدثت عن نمطٍ مقلقٍ من الجرائم الدولية المتكررة في غرب دارفور، مشيرة إلى توثيق فظائع ذات طابع عرقي، تُنسب إلى قوات الدعم السريع، واستعرضت ما تم إحرازه من تقدم في جمع الأدلة، عبر صور الأقمار الصناعية، والتوثيق المصوّر، وشهادات الشهود… لكنها، لم تُخفِ وجود تحديات جسيمة في الوصول إلى الضحايا وحمايتهم، في ظل واقع النزاع والتفكك.
وفي هذا السياق، توجهنا بأسئلة متخصصة إلى مايكل ديلاجرانج، وهو محامي دولي مقيم في لاهاي، ومتخصص في العدالة الجنائية الدولية، لمعرفة تقديره للخيارات الواقعية المتبقية أمام المحكمة في ظل انسداد التعاون الحكومي، والإمكانيات البديلة.
عراقيل معتادة وقلق مشروع
يقول ديلاجرانج إن “عدم الوصول إلى إقليم دارفور، وعدم تعاون الدولة، يُعدان عائقين حقيقيين للتحقيق السليم، لكن بصراحة، المحكمة معتادة على مثل هذه التحديات، خصوصاً في الملف السوداني”.
ويضيف لــ(سودانس ريبورترس) بأن تلك العراقيل لن تمنع المحكمة من إصدار مذكرات توقيف جديدة، بحق المسؤولين عن الجرائم المستمرة في غرب دارفور.
مع ذلك، يضع ديلاجرانج خطّاً أحمر تحت مسألة التنفيذ، موضحاً أن “تفعيل مذكرات التوقيف – أي تنفيذ الاعتقال – قضية مختلفة تمامًا”، ويُعرب عن قلقه من أن تقتصر المحكمة تحقيقاتها على غرب دارفور فقط، نظراً لقربها الجغرافي من تشاد، على حساب مناطق أخرى، أكثر تعقيداً مثل الفاشرن التي لا تزال تشهد هجمات دامية، كما تظهر التقارير الحقوقية الأخيرة.
البدائل: بين التحقيق عن بُعد، وتعاون الأطراف الثالثة
وردّاً على سؤالنا بشأن فعالية البدائل، يؤكّد مايكل ديلاجرانج أن التحقيقات عن بُعد لم تعد غريبة على المحكمة، وأنها أثبتت فعاليتها سابقاً. لكنه، يستهين بأي رهان على مجلس الأمن قائلاً: “أنا شخصيّاً لا أعلّق عليه أي آمال… تلك الأيام قد انتهت”.
بالمقابل، يرى أن التعاون مع دول ثالثة، هو العامل الأكثر حسماً في هذه المرحلة. ويقصد بذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوفير الدعم اللوجستي، وربما التدخل لتسهيل تنفيذ أوامر القبض على المطلوبين. “هذه العناصر هي التي ستصنع الفرق”، يختمن ديلاجرانج.
ويشهد السودان، منذ منتصف أبريل 2023، نزاعاً مسلحاً واسع النطاق، بين القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، تسبب في انهيار مؤسسات الدولة، وانتشار العنف في عدة ولايات، أبرزها غرب دارفور.
ووفّر هذا الانهيار بيئة خصبة لارتكاب انتهاكات ممنهجة، من بينها القتل الجماعي، والعنف الجنسي، والتهجير القسري، خصوصاً في مدينة الجنينة، والمناطق المحيطة بها.
وفي هذا السياق، تركز المحكمة الجنائية الدولية، على توثيق ما يبدو أنه نمط متكرر، من الجرائم الدولية، التي تُرتكب على أساس عرقي، وهو ما يُشكل امتداداً خطيراً لجرائم دارفور السابقة، ويُثير احتمالات واقعية، لاتهام أطراف فاعلة حالية، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، أو إبادة جماعية.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية في 11 يوليو 2025، أكدت وجود أدلة قوية على ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور السوداني، منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
وفي إفادة أمام مجلس الأمن الدولي، قالت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهة شميم خان، إن التحقيقات الأولية تشير إلى استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، واستهداف المدنيين على أسس إثنية، في مناطق مثل الجنينة ونيالا وزالنجي.
جاء هذا بعد شهور من تصاعد الصراع في الإقليم، وتزايد التقارير الحقوقية عن تطهير عرقي واغتصابات جماعية، وإعدامات ميدانية، لا سيما، بحق مجموعات غير عربية مثل الفور والمساليت.
كما أشارت المحكمة، إلى احتمال أن ترقى بعض هذه الأفعال، إلى جرائم إبادة جماعية.
في موازاة ذلك، سُلِّم في مايو 2025، ملف يتكون من 142 صفحة، إلى وحدة جرائم الحرب في شرطة لندن، يتضمن أدلة على تورط قيادات من الدعم السريع في جرائم ممنهجة، في خطوة قد تُمهِّد لتحريك مذكرات توقيف دولية جديدة.
ورغم تعهد المحكمة الجنائية سابقًا بمحاسبة مرتكبي الجرائم في دارفور منذ 2003، فإن الأوضاع الميدانية والانقسام السياسي الحاليين، يهددان بإفلات الجناة من العقاب مجدداً
كما أعلنت الجنائية الدولية اعتزامها اتخاذ خطوات جادة لضمان تنفيذ أوامر اعتقال الرئيس السوداني السابق عمر البشير، واثنين من أبرز المسؤولين السابقين، أحمد هارون، وعبد الرحيم محمد حسين.
وقالت الجنائية الدولية إن ذلك يندرج في إطار جهودها المتواصلة لإنهاء حالة الإفلات من العقاب، في ملفات جرائم دارفور.
وخلال إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، أكدت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، أن مكتبها يُخطط للقيام بزيارة جديدة إلى السودان، خلال الفترة المقبلة، بهدف التركيز على تنفيذ أوامر القبض.
وأشارت إلى أن المطلوبين لا يزالون داخل البلاد، وأن المحكمة لن تتراجع عن مساعيها لتحقيق العدالة.
وشددت خان على أن المحكمة الجنائية الدولية ملتزمة تجاه الضحايا قائلة: “سنعمل بكل ما في وسعنا لضمان ألّا يفلت أي شخص متورط من العقاب، بما في ذلك عمر البشير، وبقية المسؤولين السابقين”، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية في دعم جهود المحكمة.
وقالت خان: “نجتمع في وقت قد يبدو فيه من الصعب إيجاد الكلمات المناسبة لوصف عمق المعاناة في دارفور”، مؤكدة، أن مكتب المدعي العام، يمتلك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، قد اُرتكبت، ولا تزال تُرتكب، في الإقليم، خاصة، في ظل التطورات الأخيرة، التي وصفتها بأنها “مؤشر خطير على تفاقم الكارثة الإنسانية.”.
وأوضحت أن مكتب المدعي العام وصل إلى استنتاجاته بناء على أنشطة ميدانية مكثفة شملت جمع وتحليل الأدلة الوثائقية، والشهادات، والأدلة الرقمية.
وفي سياق متصل، أشار مكتب المدعي العام إلى أنه يتابع عن كثب التقارير الواردة من ولاية شمال دارفور، بشأن الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع، والقوات المساندة لها، على مدينة الفاشر، ومخيمي زمزم، وأبو شوك، للنازحين، موضحاً أن هذه الهجمات تضاف إلى سجل الجرائم المستمرة في الإقليم.
وفي ضوء هذه التطورات، وضمن تحقيقات بدأت فعلياً منذ يوليو 2023، يرى محامي مهتم بقضايا العدالة والعدالة الدولية، أن المدة الزمنية التي استغرقتها التحقيقات، تمنح المحكمة ما يكفي من الأساس القانوني لإصدار مذكرات توقيف، بحق مشتبه بهم في ارتكاب جرائم دولية.
ويشير المحامي الذي طلب حجب اسمه لــ(سودانس ريبورترس) إلى أن “المحكمة أظهرت في تصريحات رسمية، أبرزها على لسان المدعي العام كريم خان، أن هناك توجهًاً منذ مطلع هذا العام، نحو إصدار مذكرات توقيف جديدة، في ملف دارفور، وربما تمضي قدماً، في ذلك خلال الأشهر القادمة”. غير أنه يوضح أن “الطبيعة المغلقة لهذا النوع من التحقيقات، تجعل من الصعب الجزم بموعد صدور تلك المذكرات، قبل إعلان المحكمة رسمياً”.
عقبات أمام تنفيذ مذكرات التوقيف
وفي ما يتعلق بالسؤال عن العقبات المحتملة أمام تنفيذ مذكرات توقيف، في حال صدورها، يرى أن التحديات متعددة ومتداخلة. فـ”أول وأبرز العقبات تتعلق بتاريخ طويل من عدم تعاون الحكومة السودانية مع المحكمة، وهو ما ظهر جليّاً في امتناعها سابقاً عن تسليم مطلوبين مثل البشير، وآخرين”..
وفي مارس 2005، أحال مجلس الأمن الدولي عبر القرار 1593، ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية الانتهاكات الجسيمة التي وقعت منذ عام 2003… كانت هذه أول إحالة من مجلس الأمن ضد دولة غير طرف في نظام روما الأساسي، وهو ما فتح الباب لمساءلة شخصيات سودانية بارزة، أبرزهم الرئيس السابق عمر البشير، بتهم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية.
وطوال عهد البشير، رفضت الخرطوم التعاون مع المحكمة، واعتبرت قراراتها مُسيّسة… وبعد سقوط النظام في 2019، عن طريق ثورة شعبية، أبدت الحكومة الانتقالية، بوادر انفتاح، بما في ذلك توقيع مذكرة تفاهم مع المدعي العام كريم خان في 2021، ولكنّها، تباطأت فى تسليم المطلوبين، إلى أن قطع إنقلاب 25 أكتوبر 2012 الطريق، أمام تسليم المطلوبين…لكن، الصراع الدائر منذ أبريل 2023 أعاد الوضع إلى حالة من الانقسام المؤسسي، والتعطيل الكامل لأي تعاون رسمي مع المحكمة.
ويضيف المحامي “التعقيد القانوني والسياسي الراهن في السودان، يزيد من صعوبة تنفيذ أي قرارات توقيف. فالوضع الدستوري غير مستقر، والشرعية منقسمة بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما قد يعني أن المطلوبين سيكونون على الأرجح من طرفي النزاع، وبالتالي فإن أيّاً من الطرفين لن يُسلم قياداته”..
ويُحذّر المحامي المهتم بقضايا العدالة والعدالة الدولية من أن هذا الانقسام قد يؤدي عمليّاً إلى وجود “حكومتين” داخل البلد، كل منهما تُعطّل إمكانية تسليم المشتبه بهم التابعين لها، وهو ما يضاعف من تعقيدات المشهد.
آليات التعاون الدولي والقيود الواقعية
ورغم هذه التحديات، يرى المحامي أن هناك آليات يمكن الاستفادة منها – وإن كانت محدودة. فـ”الإنتربول قد يضطلع بدور جزئي، خصوصاً في تعقُّب واعتقال قيادات عسكرية وسيطة غير معروفة على نطاق واسع، إذا ما ثبت ضلوعها من خلال التحقيقات، وسافرت إلى دول أخرى”.
غير أن مثل هذه الإجراءات تظل رهينة بالسياق الإقليمي والدولي… ويوضح أن “بعض دول الجوار قد لا تتعاون مع المحكمة، نتيجة انحيازات سياسية في الصراع السوداني، كما أن المناخ الدولي نفسه يُلقي بظلاله، خصوصاً في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة على المحكمة بعد فتحها ملفات تمس إسرائيل”.
ويشير إلى أن “هناك تهديدات فعلية بإجراءات عقابية ضد المحكمة، من أطراف نافذة، مما قد يضعف من فعاليتها في ملفات مثل السودان”..
ويخلص المحامي إلى أن التحدي الأكبر، لا يكمن فقط، في أداء المحكمة، بل في الوضع الداخلي في السودان، والذي يصفه بأنه “حالة من اللادولة”، نتيجة لانهيار المنظومة العدلية، والشرطية، وهو ما يُعيق أي إمكانية حقيقية، للتعاون المؤسسي مع المحكمة الجنائية الدولية في الوقت الراهن.




