امتحانات أخرى وسط الركام: التعليم في قبضة الحرب والانقسام
التعليم يجب أن يتحول إلى رافعة تُسهم في إسكات صوت البنادق، لا في إذكاء النزاعات.
تقرير: محمد عبدالحفيظ خاص (سودانس ريبورترس) … 19 يوليو 2025
بينما أُسدل الستار على امتحانات الشهادة السودانية المؤجلة للعام 2023/2024، انكشفت من جديد التصدعات العميقة في بنية النظام التعليمي في السودان، الذي يعيش أسوأ حالاته تحت ضغط الحرب والانقسام الجغرافي.
ففي الوقت الذي جلس فيه أكثر من 200 ألف طالب للامتحانات، حُرم أكثر من 300 ألف بسبب الصراع، بينما تصاعدت الاتهامات بتسييس العملية التعليمية، وتعيين مراقبين بكفاءة مشكوك فيها، ومحسوبية سياسية.
وتُحذر جهات تربوية، من أن استمرار هذا النهج، سيكرس لواقع تعليمي هش، ويزيد من تمزيق ما تبقى من وحدة وطنية مأزومة، ويحوِّل الشهادة الثانوية من استحقاق أكاديمي إلى أداة من أدوات النزاع السياسي.
مثلت الحرب المندلعة في السودان، منذ أكثر من عامين أكبر عائق للعملية التعليمية في السودان التي ظلت تعاني لعقود سابقة بسبب مشكلات تمويلية وفنية إلى جانب سوء الإدارة والتخطيط والنزوح المستمر لعائلات الطلاب.
والسبت 29 يونيو بدأت امتحانات الشهادة السودانية المؤجلة للعام الدراسي 2023/2024 بمادتي التربية الإسلامية والمسيحية، واختتمت الخميس 10 يوليو بمادة اللغة الإنجليزية، وفق جدول موحد انطلقت جلساته عند الساعة الثانية ظهرًا بتوقيت السودان. وأجريت الامتحانات في ظروف استثنائية فرضتها الحرب، وسط إجراءات أمنية وتربوية مشددة في عدد من الولايات والمراكز الخارجية.
وأُجريت الامتحانات في شكلها الكامل بولايات: الشمالية، البحر الأحمر، القضارف، وكسلا بينما نُظمت بشكل جزئي في ولايات مثل الخرطوم، الجزيرة، نهر النيل، وسنار.
في المقابل، حُرم آلاف الطلاب في ولايات دارفور وكردفان من الجلوس للامتحانات، في ظل غياب الترتيبات الأمنية والخدمية، في وقت أكد فيه مدير عام وزارة التربية والتعليم بولاية شرق دارفور حامد احمد التحاق عدد مقدر من طلاب وطالبات المدارس الثانوية من ولاية شرق دارفور وولايات دارفور الكبرى وكردفان بهذه الامتحانات بكل من ولايتي النيل الأبيض ونهر النيل.
وبلغ عدد الطلاب الذين جلسوا للامتحانات هذا العام 209,273، موزعين على 2,082 مركزاً داخلياً، إضافة إلى 20 مركزاً خارجياً.”
وقالت وزارة التربية والتعليم إنها أشرفت على إدارة الامتحانات من خلال غرفة طوارئ مركزية تابعت سير العملية داخل وخارج السودان.
جاء ذلك في وقت تزايدت فيه الدعوات لضمان العدالة التعليمية وتوحيد النظام التربوي في ظل التحديات المتفاقمة التي تفرضها الحرب والانقسام الجغرافي.
ومن جانبها اعتبرت لجنة المعلمين السودانيين، إن التعليم أصبح أداة بيد أطراف الصراع، يتم التلاعب به لتثبيت سلطة سياسية وليس خدمة أبناء الوطن.
وأوضحت عبر بيان في 27 يونيو إن ما يجري من تعيينات وتجاوزات في الامتحانات هو فساد ممنهج يعيد كوادر النظام البائد، ويهدد بانهيار النظام التعليمي في السودان.
وقالت اللجنة أن التعليم يُستخدم كأداة لتثبيت نتائج الحرب وتهميش قطاعات واسعة من الطلاب، خاصة عبر تجزئة العملية التعليمية وإقصاء مناطق معينة.
وانتقدت تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية بشكل يخدم أجندات سياسية، واعتبرت أن ذلك خاصة مع استمرار الحرمان للطلاب من مناطق النزاع.
كما وجهت اتهاما صريحا لعناصر النظام السابق بالعودة للسيطرة على التعليم، خاصة عبر تعيين كبار مراقبين ومعاشيين لا علاقة لهم بالتدريس أو المدارس، بدوافع محسوبية وفساد.
وأشارت اللجنة إلى أن المُعينين لديهم سوابق في الفشل أو الفساد في امتحانات سابقة، ومع ذلك أُعيد تعيينهم، لا سيما في مراكز خارج السودان مثل مصر.
وحذرت من أن ما يحدث يهدد مستقبل التعليم والوحدة الوطنية، ويزيد من الانقسام داخل السودان.
وبحسب وزارة التعليم، يجلس هذا العام 209,273 طالباً وطالبة لأداء الامتحانات موزعين على 2,082 مركزاً داخليًا و20 مركزًا خارجيًا، وسط إجراءات أمنية مشددة.
وسبق أن رصدت لجنة المعلمين السودانيين وعدة جهات تربوية وإعلامية، أخطاء جسيمة رافقت امتحانات الشهادة الثانوية المؤجلة للعام 2023، وأثارت موجة غضب واسعة في أوساط الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور.
وطالبت اللجنة حينها بفتح تحقيق مستقل وشفاف حول ما وصفته بـ”الفوضى” التي صاحبت إعلان النتائج، خاصة بعد اعتماد شركة اتصالات خاصة في توزيعها، دون ضمانات للعدالة أو الشفافية.
وتلقى طلاب تفوّقوا في مرحلتي الأساس والثانوي درجات منخفضة أو رُسبوا دون مبررات واضحة، في حين حصل طلاب بمستويات متدنية على درجات مرتفعة في مواد رئيسية مثل الكيمياء واللغة الإنجليزية. كما سجلت عدة أخطاء إدارية، منها إعلان درجات لطلاب لم يجلسوا للامتحانات، وخلط في أرقام الجلوس، وتوزيع أوراق إجابة في غير مواضعها، وهو ما شكك في مصداقية الامتحانات على مستوى واسع.
وقتها نفت وزارة التربية والتعليم وجود أخطاء جوهرية، وأكدت أن الإشكالات اقتصرت على “مراكز الطوارئ”.
التعليم كوسيلة لتقسيم البلاد
من جهته قال عضو لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، إن بيان اللجنة الأخير بشأن امتحانات الشهادة السودانية جاء بمثابة تحذير واضح من مخاطر استخدام العملية التعليمية كوسيلة لتقسيم السودان، عبر حرمان أعداد كبيرة من الطلاب والطالبات في مناطق النزاع من حقهم في التعليم، وقصره على المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش.
وأكد لـ(سودانس ريبورتس) أن السياسة التعليمية الحالية تستبعد بشكل ممنهج من هم في مناطق تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، وهو ما يمثل انحرافًا خطيرًا عن مبدأ العدالة التعليمية.
وأوضح الباقر، أن التدخلات السياسية في العملية التعليمية تظهر بوضوح في امتحانات هذا العام، حيث جرى التعامل مع التعليم كأداة من أدوات الحرب، يُمنح للبعض ويُحرم منه البعض الآخر وفقًا لحسابات عسكرية وسياسية بحتة، وليس على أساس المصلحة الوطنية أو الحاجات التعليمية. وأضاف أن هذا النهج يضرب وحدة البلاد في الصميم، ويمهد لتكريس واقع الانقسام.
وفي ما يتعلق باختيار كبار المراقبين داخل وخارج السودان، أكد الباقر أن العملية خضعت للمحسوبية وتم استغلالها كأداة للابتزاز السياسي، سواء بالترغيب أو الترهيب.
وقال إن المواقع ذات العائد الدولاري في الخارج تم تخصيصها لفئات محددة بناءً على الانتماء للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، أو القرب من دوائر اتخاذ القرار، مع تجاهل تام للمعايير المهنية واللوائح المنظمة.
وأشار إلى أن كثيرًا من الوجوه التي تسببت في إخفاقات سابقة تمت إعادة تسميتها، دون النظر إلى كفاءتها أو سجلها السابق.
تراجع كبير في عدد الجالسين
وكشف عضو لجنة المعلمين عن أرقام صادمة تتعلق بعدد الطلاب المقصيين من الامتحانات، مشيرًا إلى أن آخر إحصاء قبل الحرب كان يُقدر عدد الجالسين للامتحانات بـ(570 ألف طالب وطالبة)، بينما لا يتجاوز عددهم الآن 200 ألف فقط. واعتبر أن هذا الانخفاض الحاد دليل على حجم التسرب والتدهور الناتج عن الحرب، والسياسات القاصرة التي تنتهجها وزارة التربية والتعليم تحت توجيه السلطة الحاكمة.
وأكد الباقر أن اللجنة طرحت مشروعًا وطنياً يقوم على دمج التعليم ضمن خطط الطوارئ، ويهدف إلى تحقيق العدالة والشمول، وجعل التعليم مدخلاً للسلام الاجتماعي والوحدة الوطنية. وشدد على أن تنفيذ هذه الخطة يتطلب إرادة سياسية وتعاونًا حقيقيًا من كل الأطراف المعنية.
وحول التفاعل الرسمي مع هذه المبادرات، أوضح أن لجنة المعلمين خاطبت كافة الجهات منذ بداية الحرب، ووجهت مذكرات مفتوحة للطرفين، كما تواصلت مع منظمات دولية معنية بالتعليم، إلا أن الاستجابة ظلت غائبة بسبب تباعد المواقف، في ظل استمرار توظيف التعليم كأداة من أدوات الحرب، وهو ما اعتبره أحد أبرز التحديات التي تواجه مستقبل السودان.
عدم شمول العملية التعليمية
من جانبه، قال عضو لجنة المعلمين السودانيين، عمار يوسف، إن امتحانات الشهادة الثانوية للعام 2025 أُجريت دون معالجة الأخطاء الجسيمة التي صاحبت الدورة السابقة، وعلى رأسها عدم شمول العملية الامتحانية لكل مناطق السودان، ما أدى إلى حرمان أعداد كبيرة من الطلاب من حقهم في الجلوس للامتحانات. وأضاف أن الإخفاقات الفنية التي ارتُكبت، وما نتج عنها من إضعاف مصداقية الشهادة السودانية، لم تُعالج، بل تم الإصرار على المضي في الامتحانات الحالية رغم تلك الإخفاقات، ما يضع مصير العملية التعليمية برمتها في دائرة الشك.
وأشار يوسف إلى أن التعليم في السودان كان يعاني اختلالات بنيوية حتى قبل اندلاع الحرب، في ظل سياسة تعليمية قاصرة، وضعف حاد في الإنفاق على التعليم، ما أثر سلبًا على تأهيل المعلمين وتدهور البيئة المدرسية. ومع اشتعال الحرب، ازدادت الأوضاع سوءًا، إذ تهدمت مدارس كثيرة، وتحولت أخرى إلى مقابر أو مواقع غير صالحة للتعليم في مناطق النزاع، بينما أصبحت المدارس في مناطق أخرى مراكز إيواء للنازحين، مما فاقم الضغط على ما تبقى من بنى تحتية. واعتبر أن خضوع التعليم لسلطات متباينة حسب مناطق السيطرة، حوّله إلى أداة لتقسيم السودان على أساس عسكري، بدلًا من أن يكون صمام أمان لوحدة البلاد.
وحذر عضو لجنة المعلمين من أن لجان الامتحانات لهذا العام لم تُشكّل بناءً على معايير الكفاءة والخبرة المطلوبة، بل تم اختيار المعلمين بناءً على الولاء السياسي، لا سيما للنظام السابق. وأكد أن تجاوز لائحة الامتحانات، لا سيما فيما يتعلق بتعيين معلمين متقاعدين لإدارة مراكز الامتحانات، أدى إلى كوارث في الامتحانات الماضية، وهو ذات النهج الذي يتكرر الآن، مما يقوض مهنية العملية برمتها.
وتحدث يوسف عن الخلفية السياسية للتعليم، معتبرًا أن التربية والتعليم عملية سياسية، كما أن السياسة عملية تربوية، مشيرًا إلى أن معظم الحكومات التي مرت على السودان استخدمت التعليم لأغراضها السياسية. وقال إن فترة حكم نظام الإنقاذ كانت الأكثر وضوحًا في هذا الاتجاه، حيث جرى تغيير فلسفة التعليم، وخصخصة مؤسساته، وتقليص الإنفاق الحكومي عليه، ما أضعف التعليم العام لصالح خيارات غير عادلة. وأضاف أن الأزمة التعليمية الراهنة تُعد السبب المباشر للأزمة الوطنية، ولن تُحل الأزمة السياسية دون إصلاح جوهري في قطاع التعليم، لأن النظام التعليمي الحالي غير صالح ليكون قاعدة للبناء الوطني.
ودعا عمار يوسف إلى إصلاح جذري في النظام التعليمي، يجعله في خدمة الوطن لا في خدمة قوى سياسية أو مناطقية. وقدم في هذا السياق مجموعة من التوصيات العاجلة، من بينها: إلزام أطراف الحرب بالنأي بالتعليم عن أجنداتهم العسكرية، وتشكيل لجنة وطنية محايدة من التربويين لإدارة العملية التعليمية وتوحيد السياسات، إلى جانب فتح ممرات آمنة للمدارس وللطلاب وأولياء أمورهم. ولفت إلى أن إن التعليم يجب أن يتحول إلى رافعة تُسهم في إسكات صوت البنادق، لا في إذكاء النزاعات.
الصورة من الإنترنيت




