اخبارالسودانتقاريرسلايدر

“النحاس” ذهب الحرب الجديد.. مافيا النحاس تجتاح الخرطوم

هذه دورة إمداد كاملة، ضمن اقتصاد الحرب، حيث يعمل عشرات، أو مئات الأشخاص في سلسلة واحدة، مقابل أرباح سريعة، بما يعزز اقتصاد "الظل" خارج النظام المصرفي والرقابي

“النحاس” ذهب الحرب الجديد.. مافيا النحاس تجتاح الخرطوم

هذه دورة إمداد كاملة، ضمن اقتصاد الحرب، حيث يعمل عشرات، أو مئات الأشخاص في سلسلة واحدة، مقابل أرباح سريعة، بما يعزز اقتصاد “الظل” خارج النظام المصرفي والرقابي

تقرير:  حسيبة سليمان – خاص (سودانس ريبورترس)…17 يوليو 2025  

في مشهد غير مسبوق، اجتاحت الخرطوم موجات من النهب الهستيري، شنّتها عصابات مسلحة، تُسمى محلياً بـ”الشفشافة”، إلى جانب أفراد ذوي ولاءات متعددة، انضموا لتلك الموجة بحثاً عن مكاسب سريعة… استهدفت هذه المجموعات محطات الكهرباء بلا رحمة، فحوّلت محولاتها، إلى ركام، وانتزعت الكابلات من باطن الأرض بعنف، حتى بدت شوارع الخرطوم، كأنها قد نُبشت بالكامل.

وفي ظل الحرب، والاضطرابات الأمنية، استغل أفراد العصابات الفوضى، فتسللوا إلى الأحياء السكنية شبه المهجورة، ليغتنموا ما تبقى من البنية التحتية للعاصمة وضواحيها، في ظاهرة باتت تُنذر بانهيار اقتصادي شامل، نتيجة تدمير أصول الخدمات العامة.

ظاهرة منظمة، وليست عشوائية

تشير معلومات موثوقة وشهادات ميدانية تحصلت عليها (سودانس ريبورترس) إلى أن سرقة النحاس، لم تكن نشاطاً عشوائياً، كما بدت عند اندلاع الحرب. إذ ظهرت دلائل قوية على وجود شبكات منظمة، تتنقل بين أحياء الخرطوم، مُستهدفة المحولات الكهربائية، والمولدات، والأسلاك، في مشهد يُعتقد أنه جزء من اقتصاد حرب ونهب متكامل.

نبشوا الأرض كالأرانب “البرية” !.  

قال شهود عيان لـ(سودانس ريبورتس) إن “جنون النحاس” سيطر على اللصوص والنهّابين، الذين نقّبوا المباني، ونبشوا الشوارع، والميادين، كالأرانب البرية بحثاً عن المعدن الثمين.

ليست عصابات عادية  

في السياق ذاته، صرّح مهندس سابق، في الهيئة القومية للكهرباء، لـ(سودانس ريبورترس) قائلاً: “هناك محولات لا يمكن تفكيكها، إلا بأدوات مُتقدمة، فمن يمتلكها؟!… هذه ليست عصابات عاديّة، بل منظومة سرقة متكاملة”… وأوضح، أن عمليات جمع النحاس من الكوابل والمحولات، كانت جزءاً من خطة محكمة دُبّرت في الظلام، عبر شبكات أغرت أفراداً بعوائد مادية مُجزية، جعلتهم يلتقطون كل قطعة نحاس، دون إدراك أنهم جزء من لعبة أكبر… وأضاف أن الكميات التي جرى جمعها، تكشف عن وجود أطراف لديها القدرة على تسويق المعدن، في الأسواق العالمية، وتهريبه، وبيعه في دول شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار النحاس خلال الأشهر الماضية.

 النحاس.. “ذهب الحرب” الجديد

وقد شهدت أسواق المعادن العالمية ارتفاعاً حاداً في أسعار النحاس، منذ بداية العام الحالي، بسبب التوترات “الجيوسياسية”، وسلاسل الإمداد المضطربة. وفي بيئة كالخرطوم، تحوّل النحاس إلى هدف رئيسي، لعصابات، وشبكات تهريب محترفة، نظراً لقيمته العالية، وسهولة تصريفه خارج السودان. بات يُطلق عليه محليّاً “عملة الفوضى”، بعد أن تلاشت مصادر الدخل التقليدية، وانهارت الأنشطة الاقتصادية النظامية.

ورغم مشاهد السرقة العلنية، التي تبدوعشوائية، تُشير المشاهدات الميدانية، لمنظومات كاملة، لإدارة عمليات النهب، تتمثل في تحديد الأهداف بدقّة متناهية (محطات الكهرباء والكابلات الأرضية)، وامتلاك أدوات متقدمة، للحفر والتفكيك، والصهر، مع توفير وسائط نقل آمنة، وطرق تهريب نشطة. 

هذه دورة إمداد كاملة، ضمن اقتصاد الحرب، حيث يعمل عشرات، أو مئات الأشخاص في سلسلة واحدة، مقابل أرباح سريعة، بما يعزز اقتصاد الظل خارج النظام المصرفي والرقابي.

تدمير مضاعف للاقتصاد

لم يعد الهدف قاصراً على المحولات، أو الأعمدة، بل امتدت شهية العصابات، إلى الكابلات المدفونة. وثقت صور ومقاطع فيديو، مشاهد حرق محطات الكهرباء، وتجريف الشوارع، لانتزاع النحاس، حتى تم اقتلاع الأرصفة في أحياء كاملة… وبدت عمليّات الحفر، أشبه بمشاريع هندسية معاكسة، لكنها مشاريع موت اقتصادي.

وأكدت هيئة مياه ولاية الخرطوم أن محطة مياه الخرطوم بحري – إحدى أهم المحطات – تعرضت لتخريب ممنهج، وسرقة واسعة، للكابلات الكهربائية.

 المستشفيات تتحول إلى أفران صهر

أوضحت مصادر ميدانية، لــ(سودانس ريبورترس): أن سرقة الكابلات، تسببت في انقطاع الكهرباء، لفترات طويلة، في أحياء أم درمان القديمة، ما أثّر على المستشفيات، لا سيما مستشفى أم درمان، ومستشفى الولادة، اللذين تعرضا لسرقة الكابلات، خلال فترة تحويلهما إلى مواقع عسكرية، وتمت عمليات صهر النحاس داخل المستشفيات نفسها، بعد حرق المحولات لاستخلاص المعدن.

كما طالت السرقة جزيرة توتي بالكامل، حيث جُرفت الشوارع بحثاً عن الكابلات المدفونة، وتم الحفر بتأنٍ واضح، ما يدل على أن “اللصوص” كانوا يعملون بلا خوف، بينما جرى صهر النحاس في نفس مواقع الجريمة.

الشارع الاقتصادي الأوسع… تداعيات بعيدة المدى

اقتصادياً، يهدد هذا النهب الممنهج الخرطوم بتداعيات خطيرة… نزيف رأسمالي، بخروج الأصول الإنتاجية، إلى أسواق خارجية، دون مردود محلي، وبلا رقيب ولا حسيب. وإبطاء التعافي، إذ ستتطلب إعادة بناء الكهرباء، والمياه، والنقل، سنوات، وأموالاً طائلة، وتكريس ثقافة النهب، ما يقوض أي مسار إصلاحي مستقبلي.

قال أحمد إبراهيم من سكان الجريف شرق لـ(سودانس ريبورترس): “بعد منتصف الليل، وفي ظلام دامس، رأيت شاحنة صغيرة تتسلل… نزل منها رجال يحملون كماشات ومناشير كهربائية… في أقل من 15 دقيقة، كان المُحوّل مُفككاً، والكابلات مرصوصة، في السيارة.. لا شرطة، لا مساءلة، فقط صمت”.

  الحرب … وميض الذهب الأحمر

أخيراً، إن ظاهرة سرقات النحاس، تمثل تحول البنية التحتية، من أصول إنتاجية عامة، إلى سلعة مباشرة، في اقتصاد النهب، وهو أحد أخطر وجوه اقتصاد الحرب، حيث تنقلب الموارد، إلى غنائم يومية، بما يهدد بتعطيل التنمية لعقود، ما لم تتمكن الدولة من تفكيك هذه الشبكات، وفرض سيادة القانون، لإعادة تعريف الموارد العامة، كأصول وطنية، وليست مجرد سبائك جاهزة للبيع… ويبقى السؤال العريض: “من فعل هذا، ولمصلحة من ؟؟؟!!!.  

*الصور المصاحبة من الإنترنيت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى