أغلب الجرائم التي تشهدها أحياء أم درمان، والخرطوم بشكل عام، يرتكبها أفراد، يرتدون الزيّ الرسمي، للأجهزة الأمنية والعسكرية، بولاية الخرطوم، ويعيشون نفس المشاهد التي عانى منها مواطنوا الخرطوم، أثناء تواجد قوات الدعم السريع
تقرير ماجد القوني: خاص (سودانس ريبورترس) … 17يوليو 2025
عامان من اللجوء والنزوح بعيداً عن الخرطوم، العاصمة السياسية التي فاجأتها حرب الخامس عشر من أبريل في العام ٢٠٢٣… استيقظت الخرطوم على دوي المدافع والأسلحة الخفيفة، وتشكيلات الجنود في مظاهر عسكرية أفزعت أكثر من ٨ مليون مواطن، حملوا أرواحهم ومضوا بعيداً عن الموت، عبروا ولايات ودول، مستظلّين بلافتات النزوح واللجوء.. عقب خروج الدعم السريع منها، انطلقت دعوات من الحكومة لحث المواطنين للعودة للخرطوم، وتحذيرات شديدة اللهجة من حكومة الولاية بمحاسبة المتأخرين عن مزاولة عملهم بالولاية.
تُرى كيف تبدو الأوضاع في ولاية الخرطوم، هل بدأت تتعافى..؟ هل تصلح للسكن..؟ هل توفرت بها خدمات المياه، الاتصالات، والمؤسسات العلاجية، والتعليمية..؟ وهل يبدو الوضع آمناً.. أم يجب الانتظار حتى تضع الحرب أوزارها وتصفو سماء الخرطوم..؟!.
أحلام العودة
العودة للخرطوم أصبح حلماً يراود الملايين، ممن ضاقت بهم معسكرات النزوح واللجوء، أحلام العودة ألهمت بعض ضعاف النفوس للتكسب من أزمات الشعب السوداني… الأخبار حملت تعرُّض مئات السودانيين في مصر، لعمليات نصب تحت دعاوى (العودة الطوعية)، نفذها أفراد زعموا إطلاق “مبادرة” تهدف إلى إعادة الراغبين في العودة إلى السودان، عبر بصات قيل إنها مجانية. وبحسب إفادات عدد من المتضررين، أعلن منظموا المبادرة عن تسيير عدد من البصات المتجهة للسودان، بسعة 50 راكباً لكل باص، على أن تكون الرحلات “مجانية”، مقابل مساهمة قدرها 400 جنيه مصري، لتغطية تكاليف “التموين والمياه”، مع التشديد على الركاب بعدم إحضار أي وجبات معهم. واستجاب عدد كبير من المواطنين للمبادرة، حيث قام كثيرون بإخلاء مساكنهم، وتسليم شققهم، استعداداً للسفر، إلا أنّهم فوجئوا باختفاء المنظمين، وإغلاق هواتفهم، ما تركهم، وأمتعتهم، في العراء، دون مأوى أو وسيلة للمغادرة.
المواطن (م. ك) – فضل حجب اسمه – قال: الحقيقة أن الخرطوم لا تصلح للعيش، بعد عامين ونيف من عمر الحرب، الحكومة في بورتسودان تطلق دعوات العودة للعاصمة، وتقول للمواطنين أن الخرطوم آمنة وخالية من الدعم السريع، وأن الخدمات متوفرة، بل ذهبت لأبعد من ذلك، وقامت بترحيل المواطنين مجاناً إلى الخرطوم، ومضى الآن أكثر من ٣ أشهر، وتفاجأ المواطن بأن العاصمة مدينة ميّتة، تفاجأنا بانعدام أبسط مقومات الحياة، ولا توجد مياه، ولا كهرباء، ولا خدمات، وأسواق صغيرة متباعدة، ومدارس مغلقة، ووضع صحي متردي، ودمار شبكة الصرف الصحي… منطقة وسط الخرطوم تبدو كمدينة الأشباح، لا حياة فيها، توقّعنا بعد تحرير الخرطوم، أن تنتقل الحكومة من بورتسودان لتعمير العاصمة.
كيف تبدو الخرطوم؟
مشاهدات (سودانس ريبورترس) من داخل العاصمة الخرطوم، تشير إلى أننا بحاجة لمزيد من الوقت، معظم البنايات والمؤسسات الحكومية والخاصة، متهدمة بالكامل، أو معظمها، شبكات الكهرباء، الاتصالات والمياه، توقفت منذ بداية الحرب، بسبب قذائف الطيران والدانات والرصاص، تعرضت المستشفيات للدمار الكامل، ونُهبت الأجهزة الطبية، وهناك، جثامين مازالت داخل كثير من المنازل والطرقات، مما ساهم في تفشي الأمراض والأوبئة، وانتشار مخلفات الحرب، ووجود الألغام، وذخائر لم تنفجر بعد، إضافة لتدمير المنشآت مثل مصفاة الجيلي للبترول، ومخازن الأسلحة، والتي ذهب الخبراء أن آثارها ستبقى لعقد من الزمان، إضافة لعدم توفر المقومات الأساسية مثل الأسواق والسلع، وانسياب حركة المواصلات، وخدمات الصحة، وتوفر العلاج، مما دفع كثير من العائدين، العودة أدراج النزوح واللجوء.
غياب الأمن
بلاغات جنائية، أودعها مواطنون أقسام شرطة ولاية الخرطوم، في مواجهة منسوبين لجهات نظامية مهمتها حفظ الأمن وحماية المواطنين، والي الخرطوم أحمد عثمان توعّد بملاحقة العصابات الإجرامية بالعاصمة، عبر ترتيبات أمنية، وانتشار الشرطة بالأقسام، والارتكازات، وفتح مراكز الشرطة المجتمعية بالأحياء السكنية. نشرات صُحفية، قالت أنه في الخامس عشر من يوليو، قُتل شخصان في منطقتي بُرّي، والرياض شرق الخرطوم، على يد مسلّحين تابعين لقوات نظامية، إثر عملية نهب، وتشهد مناطق واسعة من أحياء من ولاية الخرطوم ذات الحوادث، وأفاد شهود عيان من داخل الخرطوم، لحالة من الانفلات الأمني وانعدام الاستقرار، وتعرُّض المنازل للسرقة، من قبل مسلحين، يستغلون حالة السيولة الأمنية، وانتشار السلاح في المنطقة… وعلى خلفية الخبر، قالت غرفة طوارئ الخرطوم، إن المنطقة شهدت مقتل شخصين، أحدهما من منطقة بري اللاماب والآخر من الرياض، على يد أفراد يرتدون زي قوة نظامية، حيث تم استهدافهم ليلاً… وأشارت إلى أن الأفراد من القوة المشتركة، كانوا في حالة سكر، وقاموا بإيقاف شاب من منطقة بري اللاماب، وطلبوا منه تسليم هاتفه، وعندما رفض، أطلقوا عليه النار، مما أدى إلى وفاته في الحال. ومواطناً آخر من منطقة الرياض، تعرض للقتل، بنفس الطريقة، بعد رفضه تسليم هاتفه الخاص، للأفراد من القوة النظامية.
وأكدت مصادر، أن منطقتي بري وشرق الخرطوم، تتعرضان لتجاوزات أمنية، من قبل القوات النظامية، مما يجعل الخروج الليلي، صعباً للمواطنين، بسبب هذه الانتهاكات… غرفة الطوارئ ناشدت السلطات في ولاية الخرطوم، إلى التدخل الفوري، لوقف الانتهاكات الأمنية التي تهدد أرواح المواطنين، في مناطق شرق الخرطوم.
ووثقت وسائل التواصل الاجتماعي جريمة قتل مروعة في منطقة الحتانة بأم درمان، حيث أُردي شاب قتيلاً برصاص مسلحين، أثناء مقاومته لمحاولة نهب هاتفه المحمول، ما أثار موجة من الغضب الشعبي، إزاء تفشي الجريمة المسلحة في المدن السودانية، وتعد هذه الحادثة هي الثالثة من نوعها خلال ال،(48) ساعة الماضية.
غياب الشرطة
تسجيل صوتي منتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، لأحد قيادات الجيش بمحلية شرق النيل، منطقة الفيحاء، يقول: يحدث انفراط عقد الأمن، ونهب المنازل، عبر القوات المشتركة، وحملهم تصاديق من قياداتهم، بنقل أثاثات المنازل والأبواب، وغياب تام لقوات الشرطة، في المنطقة… المواطن (س م) من شرق النيل قال: الشرطة بولاية الخرطوم، أصبحت غير قادرة على حسم الجماعات المتفلتة، التي تمتلك القدرة على التخفي، وسرعة الحركة، إضافة إلى أن الشرطة، تعاني من مشاكل لوجستية، من بينها قلة السيارات، والتسيب عن العمل، ورفض قيادة الشرطة، توفير حوافز مجزية، تُمكِّن الشرطي، من تأدية مهامه، وهو أمر – وفقاً لمصادر- شجع على تمدد الجماعات المسلحة، وتزايد معدلات الجريمة.
مشاهد مروّعة
الخبير العسكري عبدالله النور، ذهب قائلا: أغلب الجرائم التي تشهدها أحياء أم درمان والخرطوم بشكل عام، يرتكبها أفراد يرتدون الزيّ الرسمي، للأجهزة الأمنية والعسكرية، بولاية الخرطوم، ويعيشون نفس المشاهد المروّعة التي عانى منها مواطنوا الخرطوم، أثناء تواجد قوات الدعم السريع، الذي كان يشتكي وقتها من تزايد أعداد المتفلتين، وجرائم النهب، وللأسف المليشيات الموالية للقوات المسلحة، والتنظيمات العسكرية، تنشط هي الأخرى، في نهب المنازل، ونهب المتاجر، وابتزاز التجار، في صورة تعكس إنهيار المنظومة الأمنية الرسمية وترك الأمر للمليشيات المسلحة.
وتفيد متابعات، أنه منذ بدء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، في أبريل 2023، حول الجيش أحياء شمال أمدرمان، لمواقع عسكرية، أضافة لوجود عدداً كبيراً من الوحدات العسكرية، يتم من خلالها استنفار آلاف المدنيين، وتدريبهم وتسليحهم، بعدها انسحبت قوات كبيرة، من المناطق المحررة، وتُرك الأمر للمستنفرين، والمليشيات المنتشرة في الولاية.
انتشار السلاح
الحرب أوجدت أسواق للسلاح، منتشرة على طول البلاد، إضافة لدعوات الاستنفار، والتسليح، التي يطلقها طرفا الحرب… وتشير تقارير ميدانية إلى أن السلاح، بات مشهداً مألوفاً في شوارع المدن والقرى، ويُقدّر عدد قطع السلاح المنتشرة في السودان بنحو 6 ملايين قطعة، وفق تقديرات غير رسمية، مقارنة بـ(2.2) مليون قطعة، قبل اندلاع الحرب، ما يعكس تضاعف حجم التسليح الفردي، بحجة الدفاع عن النفس… عسكرة الحياة المدنية في شمال أمدرمان، وانتشار السلاح، ساهم بصورة كبيرة، في توالد جماعات مسلحة، تنشط في ارتكاب جرائم النهب والسطو، على المنازل، وقتل المواطنين.
إعادة الأعمار
“الحديث عن إعادة الإعمار سابق لأوانه..” هكذا، أغلق المهندس هاشم مصطفى الطريق أمام خطوات التعمير، مضيفاً: العديد من الدول تحدثت عن أعادة إعمار السودان، ووعدت بدعم التحول المدني، وإعادة البناء، لكن، كل ذلك، رهين بتوقف الحرب، والوصول لأتفاق بين طرفي الحرب… الخرطوم في الأساس تعاني من اختلالات هندسية، وبيئية، كبيرة جداً، تحتاج لاعادة بناء، وتخطيط، وتأسيس بنية تحتية جديدة… الدمار الذي تعيشه الخرطوم – الآن – يحتاج لأموال ضخمة، وحتى – الآن – لم يتم حصر الأضرار التي لحقت بالدولة، والوقت لم يحن بعد.
خروج… ودخول!
خروج قوات الدعم السريع من الخرطوم، خطوة اعتبرها مواطنون بداية للعودة، لكن، دخول قوات الجيش، وحلفائه، لم يتبعه بعد، قدوم الوزراء والحكومة، أو أطقُم طبية، وهندسية، وتعليمية، كافية لبدء الحياة من جديد… المؤسسات مازالت متوقفة عن العمل، وهناك، دمار تعاني منه المستشفيات، والمدارس، وحتى دور العبادة، مع تردي الأوضاع الاقتصادية، والأمنية، والصحية … ترى هل تصلح الخرطوم للحياة..؟
*الصورة من الإنترنيت




