الموتى يهددون الأحياء…. أزمة الجثث المجهولة تخنق الخرطوم وتشكّل تهديداً صامتاً للصحة العامّة
البروتوكولات الدولية للتعامل مع الجثث المجهولة تُلزم الجهات الرسمية بتوثيق الجثث بالتصوير، وأخذ بصماتها، وعينات الحمض النووي، وتسجيل بياناتها كاملة قبل الدفن، وهي إجراءات تستلزم موارد بشرية، ولوجستية، متكاملة، لا يملكها السودان حالياً، وسط الانهيار الاقتصادي، والتردي الخدمي
الموتى يهددون الأحياء…. أزمة الجثث المجهولة تخنق الخرطوم وتشكّل تهديداً صامتاً للصحة العامّة
البروتوكولات الدولية للتعامل مع الجثث المجهولة تُلزم الجهات الرسمية بتوثيق الجثث بالتصوير، وأخذ بصماتها، وعينات الحمض النووي، وتسجيل بياناتها كاملة قبل الدفن، وهي إجراءات تستلزم موارد بشرية، ولوجستية، متكاملة، لا يملكها السودان حالياً، وسط الانهيار الاقتصادي، والتردي الخدمي
تقرير: حسيبة سليمان خاص (سودانس ريبورترس) … 15 يوليو 2025
في شوارع الخرطوم وأحيائها، تتناثر جُثث “مجهولة الهوية”، بعضها تحلّل حتى لم يبقَ منه سوى العظام والأربطة والجلود المتيبسة… رائحة الموت الكثيفة تختلط بطين الأمطار، وسخونة الطقس، فتخلق مزيجاً خانقاً يلفح أنوف المارة، يُخيّم على البيوت والأسواق، ويُحيل حياة الناس اليومية إلى كابوس، بلا نهاية واضحة.
تهديد صامت للصحة العامة
لم تعد القضية مأساة إنسانية فحسب، بل غدت تهديداً خطيراً للصحة العامة… يخشى السكان من انتشار أمراضٍ وأوبئةٍ في ظل عجز الجهات الرسمية والطبية، أمام محدودية الإمكانات، وضعف التمويل، وتعقيدات الإجراءات الإدارية والقانونية… وتتصاعد يومياً شكاوى المواطنين، عن الروائح التي تقتحم منازلهم، دون استئذان، فيما يكتفي الكثيرون، بإغلاق النوافذ، ليختنقوا بحر الصيف، داخل بيوتهم بدلاً من استنشاق روائح الموت في الخارج.
جبرة… آثار لا تزول
سامي، شاب ثلاثيني من شرق النيل، زار حي جبرة جنوب الخرطوم، لقضاء بعض الحوائج، عند أقاربه، لكنه، لم يحتمل البقاء طويلاً هناك…. يقول، وصوته يرتعش لــ(سودانس ريبورترس): “دخلت جبرة نص ساعة بس… الريحة ما بتتتحمل… الجثث كانت مرميّة لحدّي ما تحللت، ولما شالوها لِسّه زيوتها مطبوعة في الأسفلت… الشارع بقى أسود في أماكن، والريحة طالعة من الأرض نفسها”.
يتابع بمرارة: “ما قدرت أقعد… حسيت إني حأستفرغ… تخيلي الناس هناك عايشين وسط الريحة دي ليل نهار.. البيوت القليلة الموجودة كلها مقفولة، والناس جوة بتختنق… خرجت، وأنا بقول يا رب رحمتك بيهم”.
شمبات… الرائحة التي لا تغادر
وفي شمبات، مربع 15 شمال بحري، يروي إدريس، عامل يومية، وأب لخمسة أطفال، تفاصيل معاناة أسرته لــ؛(سودانس ريبورترس): “لم نعد ننام… الرائحة تملأ الحي بأكمله… إذا فتحت النافذة دخلت الريحة، وإذا أغلقتها اختنقنا من الحر… أنام على هذه الريحة، وأصحو عليها… ابنتي الصغيرة تصحو منتصف الليل، تبكي وتقول: يا أبي هناك شيء عفن في البيت”. ويضيف بأسى: “بعدما رفعوا الجُثث، بقيت زيوت أجساد الموتى مطبوعة على الإسفلت، والروائح لا تزال تخرج من الأرض… كأنّ الموت ترك أثره في الحي إلى الأبد”.
شرق النيل… بئر تحولت إلى مقبرة
أما في حي الفيحاء، بشرق النيل، مربعات 8 و9، يقف يوسف أمام بئر مهجورة، صدمه منظرها: “لم أكن أتوقع هذا المشهد… بئر كبيرة قديمة تحولت إلى مقبرة مفتوحة… الريحة قوية جدّاً، والهواء يحملها كل يوم إلى بيوتنا”. ويضيف: “أبلغنا الجهات مرات كثيرة، لكن، الاستجابة محدودة… بعض الناس بقوا يشتكوا من الصداع والدوخة… حتى الكلاب الضالّة، ما عادت تفارق محيط البئر”.
الدروشاب… لا مهرب من رائحة الموت
وفي الدروشاب، شمال مدينة الخرطوم بحري، تقف الحاجة زينب أمام منزلها الصغير، تمسح دموعها بطرف ثوبها المهتريء، كما روت لــ(سودانس ريبورتس): “في البيت نشم الريحة، وفي السوق نشمها برضو… لا مهرب لنا… الجُثث منتشرة هنا وهناك، وريحتها تحرق القلب”… ثم تضيف: “نحن نحن ناس فقراء، لو وجدنا لقمة نظيفة، وماء صالح، نشكر ربنا… هسي بقينا نتنفس ريحة الموت كل يوم… وما قادرين نغير حالنا”.
أرقام ومناطق انتشار الجثث
بحسب إفادات متطوعين في فرق ميدانية لــ(سودانس ريبورترس)، شملت مواقع انتشار الجثث:
محلية بحري: شمبات مربع 15، شمبات الحلة (منهول)، أبراج الزرقاء، الدروشاب، الصافية، دار السلام.
شرق النيل: الفيحاء مربعات 8 و9 (داخل بئر)، إضافة إلى مناطق الفيحاء الأخرى.
محلية الخرطوم: شارع القصر قرب مستشفى الذرة ومعمل استاك، وشارع الدكاترة، غرب موقف شروني، قرب مستشفى الشعب، وكبري المسلمية، ومستشفى الخرطوم التعليمي.
صرخة مكتومة في قلب الخرطوم
هكذا يعيش الناس في الخرطوم الكبرى اليوم، بين خوفٍ من الموت، وخوفٍ من الأمراض، التي قد تأتي مع رائحة الموتى… صرخة مكتومة على أمل أن تجد طريقها إلى مسامع ضمير العالم، أو ما تبقى منه.
3800 جثة مدفونة منذ اندلاع الحرب
أكد مصدر بهيئة الطب العدلي بولاية الخرطوم، أن فرق الهيئة، بالتعاون مع الشركاء، نقلت ودفنت نحو (3800) جثة منذ اندلاع الحرب، وحتى إعلان الخرطوم خالية من المليشيا المتمردة – حسب وصفه – … وقال أن الجثث انتُشلت من المنازل، الميادين، المؤسسات الصحية، الوزارات، والجامعات بعد تلقي بلاغات من المواطنين.
وأشار إلى أن هيئة الطب العدلي، هي الجهة الوحيدة المخوّلة بتلقي البلاغات المتعلقة بوجود الجثامين، فضلا عن إشرافها على المشارح، ونفى في تعميم صحفي فرض أيّ رسوم، على نقل جثمان في ضاحية الدوحة بأم درمان، مؤكدا أن اللجنة المختصة بقيادة الهيئة، تتولى نقل الجثامين ودفنها مجاناً، ودون مقابل مادي.
“المخاطر الصحية أقل مما يظن الناس”
وفي تصريحات خاصة لــ(سودانس ريبورترس) قلل ذات المصدر من حجم المخاوف الصحية المنتشرة قائلاً: “معظم الجثث التى كانت ملقاة فى قارعة الطريق، مرّ عليها وقتٍ طويل، وتحلّلت بالكامل، وبعضها منذ سنة، أو سنتين، أو ستة أشهر… موضّحاً أنّ الجثمان بعد هذه الفترات الطويلة، لا ينقل العدوى، إلّا في أمراض معينة، مثل التهاب الكبد الوبائي، الذي يبقى مسبب المرض لمدة 24 ساعة فقط، ثم يزول. …ولكن، يبقي الخوف الأكبر لدى الناس، من اختلاط براز الجثث، بمياه الشرب، أو الآبار القريبة، لكن انتشار الأمراض، بسبب الجثث، ليس بالشكل المقلق الذي يتصوره الناس، خصوصاً أن أغلبها تحللت، ولم يتبقَ سوى العظام والأربطة”.
تهديد صامت للصحة العامة والبيئة
ورغم طمأنته، لا يزال المشهد مروعِّاً في مدينة تفتقر لأبسط مقومات النظافة العامة. فالقضية تجاوزت كونها مأساة إنسانية، لتتحول إلى تهديد صامت للصحة العامة، وسط انعدام الإمكانيات، والموارد اللوجستية لدى الجهات المعنية، ما يجعل الخرطوم، عاجزة أمام هذه الكارثة، التي تتعاظم يوماً بعد يوم.
الهلال الأحمر: لسنا الجهة الأساسية
في السياق ذاته، قال مصدر في جمعية الهلال الأحمر السوداني لــ(سودانس ريبورترس) إن الجمعية ليست الجهة الأساسية للتعامل مع الجثث البشرية، بل، تقوم بدور مساعد بجانب الطب العدلي، والنيابة العامة، والشرطة، وهي الجهات المخوّلة قانوناً بإصدار أوامر التشريح، وتحديد إجراءات الدفن.. لكنه، أوضح أن غياب الجهات العدلية في مناطق النزاعات، مثل دارفور، وكردفان، دفع المواطنين للاعتقاد بأن الهلال الأحمر، هو المسؤول الأول، عن دفن الجثث.
إجراءات مطولة ومعقدة
وأوضح المصدر لــ(سودانس ريبورترس) أن الإجراءات الطبيعية، تبدأ ببلاغ رسمي للشرطة، يعقبه فتح بلاغ جنائي، وتوجيه النيابة، بنقل الجثة للتشريح، أو المشرحة قبل الدفن، إذا لم يُعثر على ذويها، مع الاحتفاظ برقم مرجعي، وعينة من الحمض النووي… لكنه لفت إلى صعوبات لوجستية ضخمة، مبيّناً أن فرق الطب العدلي، والهلال الأحمر، كثيراً ما تعجز عن الاستجابة لبلاغات المواطنين، بسبب ارتفاع تكاليف النقل، والتشغيل، التي تتضمن الوقود، وأكياس الجثث، وطعام وشراب الفرق الميدانية، بينما لا توفر الدولة، تمويلاً كافياً لهذه العمليات.
مصادر دخل توقفت وتكاليف باهظة
وأشار المصدر إلى أن ميزانية الطب العدلي كانت تعتمد سابقاً على رسوم تحنيط وتجهيز جثامين الأجانب، التي قد تصل إلى ألف دولار، للجثة الواحدة، لكنها تراجعت تماماً بعد اندلاع الحرب، بينما استمر تدفق الجثث المجهولة، بأعداد كبيرة، دون توفر موارد مالية كافية، لتغطية تكاليف دفنها.
خطر الكلاب والقطط الضالة
وأضاف، أن بقاء الجثث لفترات طويلة، ساهم في تغير سلوك الكلاب، والقطط الضالة، التي بدأت تتغذّى عليها، مما يرفع احتمالات انتشار السعار، ويضاعف التهديد البيئي، والصحي، على المدينة المنهكة.
بروتوكولات دولية وإمكانات منعدمة
وأوضح أن البروتوكولات الدولية للتعامل مع الجثث المجهولة تُلزم الجهات الرسمية بتوثيق الجثث بالتصوير، وأخذ بصماتها، وعينات الحمض النووي، وتسجيل بياناتها كاملة قبل الدفن، وهي إجراءات تستلزم موارد بشرية، ولوجستية، متكاملة، لا يملكها السودان حالياً، وسط الانهيار الاقتصادي، والتردي الخدمي.
أزمة أكياس الجثث
وأكد، أن من أبرز التحديات اليومية، نقص أكياس الجثث، التي توفرها المنظمات عبر التبرعات، مشيراً إلى أنّه في حال نفادها، يتم لف الجثمان بمشمع، أو قطعة قماش عادية، لحين الدفن، كحل اضطراري، لتقليل الأخطار.
دور الصليب الأحمر والتدريب الميداني
وأشار إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ساعدت في تدريب كوادر الهلال الأحمر السوداني، على إدارة الجثث المجهولة، منذ بداية الحرب، لكن، أعداد المتطوعين، لا تزال قليلة مقارنة بحجم الأزمة، داعياً وزارة الصحة، إلى تنظيم المزيد من الورش التدريبية، وتحفيز المتطوعين ماليّاً، لتوسيع الاستجابة الميدانية.
دعوة عاجلة لحماية الصحة العامة
وفي تعليق مطول على صفحته بفيسبوك، قال الفريق عابدين الطاهر، مدير المباحث الجنائية الأسبق بالسودان، إن نقل الجثامين، من مكان لآخر، هو إجراء إداري تنفيذي، لا يحتاج تدخل الطب الشرعي، إلا في حال الاشتباه الجنائي أو الحاجة للتشريح… وأكد أن مسؤولية نقل ودفن الجثث، تقع على الدولة عبر الشرطة، والدفاع المدني، ووحدات صحة البيئة، وفق إجراءات قانونية معروفة، تبدأ بإخطار النيابة، وفتح ملفات لكل جثمان، وتوثيق البصمات، وأخذ عينات الحمض النووي، لربطها بترقيم المقابر الجديدة.
وختم الطاهر بقوله: “ما هو مطلوب الآن، ليس إجراءاً طبيّاً بل، قرار إداري عاجل، لحماية الصحة العامة، والبيئة، بتكليف القوات والوحدات المختصة، دون انتظار أو تباطؤ، ودون تحميل المواطنين، أي رسوم، لأن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الدولة وأجهزتها.
*الصور من الإنترنيت




