Newsتقارير

الرعاة … الشريحة المنسية والحقوق المهضومة بين قسوة الطبيعة وظلم الحكومة


الرعاة … الشريحة المنسية والحقوق المهضومة

بين قسوة الطبيعة وظلم الحكومة

خاص : سودانس ريبورترس: محمد حمدان

يتجولون فى اصقاع السودان قبل الانفصال/الاستقلال، شمالاً وجنوباً تبعاً لتوفر المرعى والكلأ، يمتدون على طول الشريط الحدودى بين دولتى السودان من ام دافوق غرباً حتى المابان شرقاً على الحدود الاثيوبية، حقاً تستحق شريحة الرحل فى السودان لقب “الشريحة المنسية”، فهم لايشاركون فى مؤسسات إتخاذ القرار، ولايحظون بالعناية الصحية والتعليم والخدمات البيطرية، رغم انهم يدفعون ضرائب وأتاوات جبارة للدولة، تلاحقهم فى الفيافى لتحصيلها، انطلاقاً من حقوق الانسان فى العيش الكريم بكرامته الانسانية تسلط هذه المادة الضوء على شريحه تنتشر فى الريف العريض.

تعطيل القانون

تفيد الاحصاءات الى ان اكثر من 150 مليون راس من الثروة الحيوانية تحتضنها البلاد، تساهم بنسبة 20% من الناتج المحلى الاجمالى، وتغطى الاستهلاك المحلى وتوفر فائض للتصدير حيث تبلغ صادراتها السنوية 180 مليون دولار، غير ان ملاك الثروة الحيوانية والفئات التى ارتبطت حياتها بالترحال تُعد من اكبر الفئات التى اُنتهكت حقوقها عمداً وعن تجاهل، ولعل ابرز الشواهد غياب تمثيل الرعاه فى مؤسسات اتخاذ القرار بل ان المشرع السودانى لم يهتم بحقوقهم فى المواثيق والعهود منذ بواكير الاستقلال، ويقول المهتم بشؤن الرعاه محمد برشم محمد، ان حق التمثيل والانتخاب والمشاركة فى القرار غائب تماماً، مشيراً الى انهم عبر منظمة المسار لتنمية وتطوير الرحل، دفعوا بقانون لحماية الرعاه وتنظيم وتقنين المراعى والحظائر الى المجلس الوطنى، الا انه اختفي فى اضابير المجلس دون حتى مناقشته، ويمضى برشم الى انهم سبق فى الانتخابات الماضية ان تقدموا بمقترح ينص على مشاركة الرحل فى الانتخابات عبر – الصندوق الانتخابى المتجول- نظراً لاوضاعهم الاستثنائية التى ارتبطت بالتجوال ، الا ان المفوضية رغم قناعتها بالمقترح ووعدها بتنفيذه لكنها لم تعره اهتماماً، ويوضح برشم الى ان دوافع المقترح اتت من طبيعة عمل الرعاه وتجوالهم لجهة ان ميقات السجل الانتخابى يجدهم فى مناطق وحين موعد الاقتراع ينتقلون لمكان آخر، تلك ابرز قضية وهى غياب المشاركة فى صناعة القرار وصناعة المستقبل، بيد ان الامر لم يقتصر على ذلك الحد وانما لديه وجوة آخرى تتعلق بإنتهازية من يتسلقون على اكتافهم والتوارى عنهم، بل ان من يمثلون الرعاه و”يشاركون” باسمهم ليس لهم رابط اصلاً بقضاياهم، هكذا يقول الناشط فى فعاليات المجتمع المدنى الدارفورى عبدالرحمن عبدالله حسين جبورة، ويشير جبورة الى ان نائب الرئيس الحالى حسبو محمد عبدالرحمن صعد الى مواقعه عبر دائرة بحرالعرب التى تشكل عمق محورى ونموزج للبقارة الا انه لايعلم عن قضاياهم شيئاً وليس له علاقة بالمنطقة اصلاً فالرجل آتى من نيالا ، ومثلها فى دوائر آخرى افضت فيها العملية الانتخابية الى الدفع بممثليين الى المجلس الوطنى والمجالس الولائية ليس له علاقة بتلك الشريحة واحلامها وآمالها.

التغييرات المناخية

فى السابق كانت حياة البداوة والترحال تحكم بواسطة الادارات الاهلية التى كانت تشكل الحكم والخصم فى آن واحد، الى ان تم حل الادارت الاهلية فى عهد مايو، وقتها الحياة رغدة والمراعى متوفرة، الا انه فى الاونه الاخيرة وبعد الجفاف الذى ضرب البلاد واشعال الحروب واتساع نطاقها وتوسع الزراعه على حساب المناطق الرعوية، أضحت نذر الاحتكاكات تتنامى بين الرعاه والزراع، ورغم ان الرعى حق تاريخى مكتسب لكن لايوجد قانون واضح يحمى ويقنن تلك الوضعية، بل صك الرعاه اعراف وتقاليد خاصه تحكم حياتهم، كما ان احد اهم العوامل فى اتساع الاحتراب بينهم والمزارعين، التغيرات المناخية التى تسببت فى تقليل كميات الامطار خاصة فى شمال دارفور، وعدم كفاية حفاظات المياة “الرهود والبرك” التى اصبحت تجف باكراً، مما حتم عليهم الترحال جنوباً قبل انتهاء الموسم الزراعى وهذا بدورة خلق مشكلة آخرى جراء تداعيات اعتداء المواشى على الزراعه، بل غياب الكلأ  والماء اضطرهم للعبور جنوباً، وعلى الرغم من كل تلك التغييرات الا ان الحكومة لم تبزل جهداً لحفر الابار والحفائر وتوسعه الوديان الموسمية.

كذبة كبيرة

واقع التعليم لم يسر، ابناءنا أميين ، وان تعليم الرحل “كذبة كبيرة”، ففى السابق كانت الداخليات تحتضن ابناء الرحل والريف، لكنها اغلقت الان، وفقاً لحديث احد عيان البادية ويدعى عيسى مصطفى، ويمضى مشيراً الى ان التعليم المتجول يواجه تحديات جمه واصيب بمتلازمة عدم الاستمرارية والفشل، فهو يخصص معلم واحد لتدريس اربع فصول، كما أن دعم منظمة اليونسيف محدود حتى السنه الرابعه فقط، فى السابق توجد داخليات لابناء الرحل فى حواضر المدن ، لكن الان لاتوجد، واصبحنا امام خيارين اما ان تودع ابنك لاحد اقربائك فى المدينة، او فقدان التلميذ لفرصة الدراسة، وينفى مصطفى اى دعم للحكومة او جهود لتعليم ابناء الرحل، لكن ليس التعليم وحده المفقود لدى هؤلاء البسطاء ، بل أن غياب العناية الصحية للرعاه احد ابرز المشاكل، ويفيد الشيخ محمود حماد الى ان معاناة حقيقية تكتنف مسألة العلاج للرعاه، ويضيف قائلاً: يا أبنى (داية ،”قابلة” تتولى الولادة لاتوجد، وبسبب ذلك تموت العديد من النساء عند تعثر الولادة لدى داية الحبل)، فيما يؤكد على ان تجار الدواء باسواق الرعاه يضاعفون الاسعار، وفى السياق لم تكن الخدمات البيطرية احسن حالاً من الصحية، ووفقاً لحديث المهتم بشؤن الرعاه محمد برشم، لاتوجد خدمات بيطرية رسمية، فيما تواجة المنظمات منع من قبل الدولة – لان الدولة تريد ان تطعم الماشية بمقابل، ويضيف “سبق ان اشترطت لاحدى المنظمات تطعيم 5 الف راس فقط فى عام 2013م”.

لاجئون فى وطنهم

ضرائب وجبايات باهظة ظلت تفرض على الرعاه، وهى ضرائب متغييرة سنوياً حسب الموازنة، ويقول كاتب تحصيل باحدى اسواق الرعاه مفضلاً حجب هويته، ان الحكومة تفرض قائمة من الضرائب والرسوم، ففى هذا العام بلغت ضريبة التنمية الولائية على الراس للابقار 45 جنيهاً والضان 12 جنيهاً والماعز 10 جنيهات، ويؤكد ان هناك ضرائب اخرى للمالية الاتحادية ورسوم آخرى تفرض حسب الحاجة، بجانب الضرائب على المبيعات التى تؤخذ على الراس الواحد لكل انواع الماشية، وتورد الاسواق الاسبوعية الالاف من الماشية ومبالغ خرافية تحصل الا انها لم تنعكس على حياة الرعاه ، بلا مقابل حقيقى للخدمات، فيما يؤكد الناشط فى فعاليات المجتمع المدنى الدارفورى عبدالرحمن عبدالله حسين جبورة، الى ان الرحل لازالو يعبرون بذات الطريقة القديمة فى تجوالهم قبل انفصال الجنوب واضاف “يعبرون اكثر من خمس ولايات فى دارفور وكردفان، وعقب الانفصال فرضت عليهم رسوم عبور لدولة الجنوب “اميقريشن”، وينتقد جبورة السلطات الحكومية، مشيراً الى ان اكثر من 3 سنوات مضت ولم يسجل بيطرى واحد زيارة ميدانية بل حتى اثناء الوبائيات يتحركون فى خجل، ولاتوجد مراكز بيطرية لتطعيم الماشية رغم انهم يطاردون لدفع الضرائب والزكاة، ويعتبر أن ظهور البترول قلص المساحات الرعوية، بجانب تلوث البيئة، ويرسم الرجل مستقبل قاتم للرعاه ويقول “اصبحوا لاجئين فى وطنهم”.

تخوفات الاحتراق

نذر بوادر مسلحه فى مناطق الرعاه، بدأت تشكل تهديد جدى لهم، ففى ولايات دارفور لازال تعدد الجيوش والمجموعات المسلحة يشكل خطر، بينما فى جنوب السودان ثمة تخوفات للرعاة من انفجار الصراع بين حكومة الجنوب والمعارضة المسلحة بقيادة رياك مشار، ويقول العمده جبريل محمد عثمان تيه، انهم يتخوفون من نشوب صراع مسلح بين حكومة الجنوب والمعارضة المسلحه التابعه لرياك مشار ببحرالعرب، تهدد رحلة التجوال الصيفى الى دولة الجنوب، وكشف تيه عن اجتماع مشترك عقد الاسبوع الماضى بين وفد من الادارة الاهلية لقبيلة الرزيقات ببحر العرب وقيادات تابعه للمعارضة المسلحة بقيادة رياك مشار تتواجد شمال بحرالعرب بمنطقة “لكمة التركاى” طالبوهم فيها بالخروج من مناطق الرعى ، واضاف تيه ، انهم حذروا المعارضة الجنوبية من نشوب حرب مع حكومة الجنوب مما سيؤدى الى احتراق المنطقة وتضرر المراعى وتشريد الرعاه،  مشيراً الى تلقيهم وعداً بخروج المعارضة الجنوبية فى غضون 14 يوماً تنتهى بحلول نهاية الاسبوع القادم، مؤكداً تواجد الجيش الشعبى بمنطقة سماحه، فيما تتواجد المعارضة المسلحه التابعه لرياك مشار، بـ”لكمة التركاى” شمال بحر العرب، واضاف “الرعاه اصبحوا بين جيشين ونتخوف من استخدامهم كدرقة”، مؤكداً أن اجتماعات عقدت بقيادة الناظر محمود مادبو مع والى ولاية شرق دارفور انس عمر، بشأن وجود المعارضة المسلحه فى الاراضى السودانية وتهديدها لحياة الرعاه، واضاف “تحرك وفد مكون من خمسه من العمد وعشر مناديب للرحل وعقد اجتماع مع المعارضة الجنوبية تم فيه الاتفاق على خروج المعارضة والابتعاد عن مناطق الرعى.

فيما اشتكى عدد من الرعاه من مخاطر تهدد حياتهم تتمثل فى شح الامطار وقلة مصادر المياه وانعدام الابار “الدوانكى”، بجانب تخوفات من تاثير الصراع المسلح فى دولة الجنوب عليهم، وقال احد المواطنين ويدعى حامد عيسى ، أن اطلاق نار عشوائى قبل ايام بسماحه تسبب فى خروج الرعاة شمالاً من بحر العرب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى